أثر دلالة سكوت الشارع في الأحكام الفقهية
الجزء ١ · صفحة ٢٣الأمين أم اهتدى إليه المجتهدون بواسطة الأدلة التي شرعها لاستنباط أحكامها، والخلاف الحاصل بين العلماء هو هل يعد الرسول الكريم مشرعا أو لا؟، فقد ذهب فريق من العلماء إلى أنه صلى الله عليه وسلم يعد مشرعا لأنهم نظروا إلى أنه المبيّن لما شرعه الله تعالى من الأحكام لعباده، وذهب الآخرون إلى أنه ليس مشرعا وإنما هو مبين للتشريع فقط كما يراه الفريق الأول وأدلة الفريقين قوله تعالى: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَغ الشورى: (48) وقوله تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله الأنعام: (57)، وقوله: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ النحل:
. (44)
إذا أمعنا النظر في هذه الأدلة نجد أن كلا الفريقين استدل بما جاء في النصوص القرآنية ما يشير إلى أن الرسول مبين للأحكام وليس هو مشرعا من حيث الأصل وأن الحكم لله، ويرى الباحث أن الرأي الثاني هو المختار عنده؛ إذ نرى أن الرسول لا يحكم إلا بما أوحاه الله تعالى إليه بحيث إذا جاءته قضية لا يعرف حكمها كان يسكت عنها وينتظر نزول الوحي ثم يحكم به، والوقائع التي عرضت عليه كثيرة، وكلها تثبت ذلك كما في قصة خولة بنت ثعلبة حينما اشتكت زوجها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فسكت الرسول حتى نزل الوحي مبينا للحكم، عندئذ حكم بما أوحاه الله تعالى إليه، وهذا دليل يشير إلى أن الرسول ليس مشرعا وإنما هو مبين للحكم، وغيرها من الوقائع.
وإذا كان الإجماع منعقدا على أن الحاكم هو الله تعالى وأن الرسول مبلغ لما جاء من عند ربه – على الخلاف السابق - والعلماء اختلفوا أيضا في الحاكم بحسن الشيء وقبحه، أي قضية التحسين والتقبيح العقليين، وذلك لأن الله تعالى كرّم الإنسان بالعقل وميزه عن سائر مخلوقاته، والعقل السليم له تأثيير كبير في حياة الإنسان، وقد أثنى الله تعالى على من أحسن استعماله
1
2
البغدادي، عبد المؤمن بن عبد الحق، تيسير الأصول إلى قواعد الأصول، ج 1 ص 31. جلال الدين السيوطين عبد الرحمن بن أبي بكر، (ت) 911 م، موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، صبحي السيد جاسم السامرائي، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع - الرياض، المملكة العربية السعودية، ط 2 1414 هـ / 1993 م، ج 4 ص 299.
10