أثر دلالة سكوت الشارع في الأحكام الفقهية
الجزء ١ · صفحة ٣٢وعلى هذا؛ فمن نظر إلى الكراهة على المعنى الأول حده بحد الحرام، ومن نظر إلى الكراهة على المعنى الثاني حده بترك الأولى، ومن نظر إلى الكراهة على المعنى الثالث حده بالمنهي الذي لا ذم على فعله، ومن نظر إلى الكراهة على المعنى الرابع حده بأنه لا شبهة وتردد، والخلاف في كون المكروه منهيا عنه وفي كونه من أحكام التكاليف، ورأي الباحث في هذا أن ترك المكروهات بجميع أنواعها وأحوالها أولى لأن في ذلك هروبا من الشبهات وأن تكون بنية التقرب إلى الله تعالى
بن
لأن في بعض المكروهات شبهة مؤدية إلى الحرام لقوله صلى الله عليه وسلم "عن النعمان بشير، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام .... 1
ج) الإباحة؛ وهي تخيير الشارع للمكلف بين الفعل والترك دون ترجيح لأحدهما على الآخر، وقال قوم هو ما أعلم فاعله أو دل أنه لا ضرر عليه في فعله ولا في تركه ولا نفع له في الآخرة، وهذا التعريف غير جامع، لأنه قد يخرج منه الفعل الذي خيّر الشارع فيه بين
الفعل والترك مع إعلام فاعله أو دلالة الدليل السمعي على استواء فعله في المصلحة والمفسدة في الدنيا والآخرة فهو مباح وإن اشتمل فعله وتركه على الضرر.
والمباح هو الذي ورد الإذن من الله تعالى بفعله أو تركه غير مقرون بذم فاعله أو تاركه أو مدحه، لذا نقول: إن المباح كل ما عرّف الشرع أنه لا ضرر عليه في تركه ولا في فعله ولا نفع من حيث فعله وتركه ويخرج عما ترك المباح بمعصية فإنه يتضرر لا من حيث ترك المباح وإنما من حيث ارتكاب المعصية، لأن نية الإنسان هو محل النظر، وكذلك إذا فعل شيئا مما ليس مأمورا به شرعا بنية حسنة ابتغاء رضا الله فهو مأجور بنيته.
1
النيسابوري، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم الحديث 1599 دط، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ج 3 ص 1219،
2 الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 1 ص 161.
19