أثر دلالة سكوت الشارع في الأحكام الفقهية
الجزء ١ · صفحة ٦٨لقول الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} البقرة: (286)، وليس بوسع أحد
أن يعمل بما لا يعرف به.
أدلتهم:
إن الخطاب بالمجمل خطاب غير مفهوم وإذا كان غير مفهوم فلا يمكن العمل به؛ لأن العمل فرع من الفهم إذ إن السامع لا يدري ما هو مطلوب منه حتى يمتثله فيكون هذا الخطاب غير محقق للمقصود منه وما كان هذا شأنه كان عبثا مثله مثل مخاطبة العربي بلغة لا
يفهمها.
ويجاب عن هذا بأن الخطاب بالمجمل من قبيل العبث لأنه يفيد الابتلاء باعتقاد الأحقية فيما هو المراد منه شأنه في ذلك شأن المتشابه الذي يجب الإيمان به دون انتظار بيانه ولا يقول أحد بأن الخطاب بالمتشابه من قبيل العبث ثم إن المجمل سيأتي بيانه بخلاف المتشابه، والقول بمخاطبة العربي بغير لغته فباطل؛ لأن ذلك يخلو عن فائدة الإيمان بالأحقية لقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّن لهم " إبراهيم: (4)، يقول الآمدي: اللفظ المجمل وإن لم يعلم منه المراد بعينه فقد علم المكلف أنه مخاطب بأحد مدلولاته المعينة المفهومة له وبذلك يتحقق اعتقاده للوجوب والعزم على الفعل بتقدير البيان والتعيين فكان مفيداً بخلاف الخطاب بما لا يفهم منه شيء أصلا.
وقالوا أيضا: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه؛ لأن وقت الحاجة هو الوقت الذي يكون المخاطب مطالباً فيه بالأداء والامتثال فيلزم عليه تكليف الإنسان بما لا يعلم، وهو تكليف له بالمحال، وهو غير واقع شرعاً، كأن يقول: صلوا الظهر، ثم لا يبين لهم كيف يصلون، واحتجوا أيضا بأن تأخير البيان يؤدي إلى العبث حيثإن مجمل خطاب بما لا
يفهم.
ابن حزم الظاهري، الإحكام في أصول الأحكام، ج 1 ص 84.
2 الآمدي، الإحكام، ج 2 ص 111.
3
عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي الحنبلي (ت) 739 هـ، تيسير الوصول إلى قواعد الأصول ومعاقد الفصول، شرحه، عبد الله بن صالح الفوزان دار ابن الجوزي، ط 1 دس، ص 149.
4
السالمي، طلعة الشمس، ج 1 ص 185.
55