معالم الحضارة الإسلامية بوارجلان لعمر لقمان. موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٧وبهذا تتَّجه أنظار الإباضية غربا إلى المغرب الأوسط حيث يفرُّ عبد الرحمن بن رستم والي القيروان إلى نواحي تاهرت فيكوِّن هناك دولة مستقلَّة تماما عن الحكم المركزي. وتعدُّ في التاريخ أوَّل دولة جزائرية إسلاميَّة مستقلَّة ويبدأ حكمها من سنة 160هـ / 776م إلى سنة 296هـ / 909م. حيث بني الحكم فيها على أساس الشورى، وتعاقب عليها أئمَّة يحكمون بالقرآن والسنَّة ويمتازون بالعدل والتسامح.
وإذا أردنا أن نستدلَّ على ذلك، فلا أنسب من التمثيل بشخصية عاصرها مؤرِّخٌ منصفٌ غير إباضي، تعطي شهادته إلى جانب شهادة المؤرِّخين الإباضيين صورة واضحة عمَّا قيل، فشخصية الإمام أبي اليقظان (ت 281هـ / 894م) تُعدُّ تقريبا الشخصية الوحيدة التي يكتب عنها مؤرِّخ رآها رأي العين خلال هذا المسار التاريخي الذي نتحدَّث عنه.
يقول عنه ابن الصغير: «وكان إذا جلس الناسُ وأمرهم بالجلوس لم ينطق أحدٌ بين يديه إلاَّ أن تكون ظلامة ترفع إليه … وكان زاهدًا ورعًا سكينًا».(1) ويروى عنه أيضًا أنَّه اهتمَّ بالحسبة من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ونبذ للعصبيات وأنَّ خُطبه على المنابر كانت خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه.(2)
أمَّا الدرجيني وهو أحد المؤرِّخين الإباضيين فتكمل شهادته شهادة ابن الصغير حيث يقول عنه: «بلغ الغاية في العدل والفضل والاقتداء بمن سلفه، فكانت نفوسة فيما قيل لا يعدلون أيَّامه وسيرته إلاَّ بأيَّام جدِّه عبد الرحمن وسيرته وذلك لأنَّهم اتخذوا مجلسه حينئذ كالمسجد، فطائفة يصلُّون وطائفة يقرأون الكتاب وطائفة يتذاكرون في فنون العلم.(3)
(1) - ابن الصغير، أخبار الأئمّة، ص 81.
(2) - م. ن، ص 78.
(3) - أبو زكرياء، السيرة، ص 144. الدرجيني، طبقات، ج 1، ص 83.