معالم الحضارة الإسلامية بوارجلان لعمر لقمان. موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢٨وكذا كان ينتقل إلى بادية بني مصعب في الربيع حيث الهواء المنعش فرارا من تعكُّر الجوِّ.
وبهذا تتعدَّد أسباب التنقُّل بالطلبة ودائما في صالح الجوِّ الدراسي، من تعقُّب المشايخ في مزارعهم وأماكن رعيهم، لاستغلال علمهم حيث إنَّ الحياة القاسية لم ترحمهم فيجلسوا كلُّهم للتدريس.
ومن جهة أخرى أرادت هذه الطريقة أن تبرهن أنَّ الدراسة يجب أن لا ترتبط في ذهن الطالب بالجدران والمكان المعروف، بل حياتُه كلُّها من الغيران المظلمة إلى الفضاء الفسيح كلُّه مدرسة، ومن تقلُّبه في فراشه إلى جلوسه أمام الشيخ كلُّها أوقات يجب أن لا يغفل فيها عن الالتزام بالآداب والمبادئ الإسلامية.
وقد يتبادر إلى ذهننا أنَّ الطالب يملُّ من تلقِّي العلم وإن وجد متنفَّسًا للراحة أخلد إليها.
بل على العكس فإنَّنا نجدهم هم الذين يتعقَّبون مشايخهم حيثما حلُّوا وارتحلوا.
ومن الطريف ما يقع للشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني(1) أنَّه حينما يدخل مسجد وارجلان ويضع مفتاحه وسفره وعمامته ثمَّ يدخل المطهرة وحينما يخرج منها يجد أنَّ التلاميذ قد حاز كلٌّ منهم شيئا تركه فيقول: «ردُّوا عليَّ علائقي» فيشترط كلٌّ منهم أن يجيبه عن مسألة تهمُّه، سواء أكانت في النحو أم في الفرائض أم في الفقه وبعد أن يجيبهم يردُّون إليه ما أخذوه منه(2).
وهكذا فلا نجد الشيخ هو المستدعي لطلبته في وقت معيَّن مضبوط فقط، بل إنَّ الطالب الذكيَّ هو الذي يستغلُّ أيضا الظرف المناسب لأخذ العلم.
(1) - هو أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني – السدراتي – (500 – 570هـ).
(2) - الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 492.