معالم الحضارة الإسلامية بوارجلان لعمر لقمان. موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٢وكتب السير مليئة بالمبرَّات، ولا يسع المجال لذكرها كلِّها، فنجد هذه العلاقات في الله تتَّسع وتشمل الأسر التعليميَّة بالامتزاج والترابط.
يبدو أنَّ أعلى مثل رأيناه للكرم وحبِّ العلم والعلماء هو أبو صالح جنُّون بن يمريان لما قدَّمه من أيادٍ بيضاء.
فحينما قدم الشيخ أبو نوح سعيد بن زنغيل إلى وارجلان أعطاه أبو صالح بيتًا مملوءة إلى السقف تمرًا، وأجرى عليه مائدة بُكرة وأخرى عشيَّة، وحينما قعد في وارجلان لم يبخل عليه بشيء من ماله، بل طلب منه المكوث فيها وأن لا يرحل، على أن يُقاسمه كلَّ ما يملك.(1)
أمَّا علاقة المشايخ بطلبتهم فتتعدَّى أوقات الدراسة ومكانها، فقد ينفق الشيخ على طلبته من ماله الخاصِّ؛ مثل ما فعله أبو إسماعيل أيوب(2) وهذا له شبيه بما كان يفعله علماء نفوسة من الجود على طلبتهم في ذلك الحين، بل يتجاوزون إلى كسوتهم صيفًا وشتاءً بكساءٍ جديد.(3)
وقد يضمُّ الشيخ أحد طلبته إلى زمرته العائليَّة ويقترح عليه الانتقال مع أغنامه إلى البادية إبَّان الربيع حتَّى لا يفوته لبن ذلك الفصل، ويكلِّف من يأتيه بمعيشته يوميًّا.(4)
ويتعدَّى الإبرار من الغذاء المادِّيِّ إلى الروحيِّ فنجد المشايخ حريصين كلَّ الحرص على الإرشاد والنصح.
(1) - ينظر: أبو زكرياء، السيرة، ص 223.
(2) - د. عمرو خليفة النامي، محاضرة: ملامح الحركة العلمية، ص 11.
(3) - الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 417.
(4) - هذا ما فعله الشيخ أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عيسى العباسي (من الطبقة الثانية عشر 550 - 600هـ) مع أحد تلاميذه. ينظر: الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 508.