معالم الحضارة الإسلامية بوارجلان لعمر لقمان. موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٧وهكذا نجده من الأوائل الذين اكتشفوا هذه المناطق، ولا شكَّ أن الغرض من رحلته هذه كان نبيلاً، ويكون بهذا قد مهَّد الطريق لمن سيأتي من بعده أمثال أبي الحسن عليّ بن يخلف التميجاريّ(1) وغيره.
وقد لاقى في رحلته إلى المشرق أهوالاً، ورأى الموت ونجا منه بأعجوبة، ومع ذلك لم تزده هذه الرحلة إلاَّ إصرارا على تخطِّي الصعاب.
وقد زادته هذه الرحلات ثقافة عالية فيكفي من نصِّه أن نتيقَّن أنَّه وعلماء الإسلام في القرون الوسطى - والتي تشتهر لدى الأوروبيِّين بالجهل عندهم والتخلُّف - يعلمون الإحداثيات من خطوط الطول ودوائر العرض، وتحديد موقع خطِّ الاستواء بالضبط، وكذا استعمال الساعة، وتقسيم اليوم إلى أربع وعشرين ساعة، من قوله: «فالنهار الطويل ثلاث عشرة، والنهار القصير إحدى عشرة ساعة» إذ أنَّ مجموع النهاية الزمنية العظمى في منطقة ما، والنهاية الزمنية الصغرى في نفس المنطقة يكون حتما أربعا وعشرين ساعة.
وبعد استغلال شبابه في الرحلات الطويلة يرتاح من عناء السفر ويلقي عصا الترحال في وارجلان، بعد أن قطع آلاف الأميال بين مشرقٍ ومغربٍ وشمالٍ وجنوب، فيخلو في داره سبع سنوات يدوِّن حصيلة ما جمع من علوم ومعارف ليورثها الأجيالَ المسلمةَ الآتية من بعده، وقد شهد بذلك الدرجيني إذ يقول: «وذكروا عنه أنَّه أقام سبعة أعوام ملازمًا دارَه لا ينصرف، فكان متى زاره أحد من الزوَّار وجده إمَّا ينسخ، وإمَّا يدرس وإمَّا يقابل، وإمَّا يبرى الأقلام، وإمَّا يطبخ الحبر، وإمَّا يسفِّر كتابا لا يعدل عن هذا الفنِّ إلى ما سواه إلاَّ إن قام لفريضة»(2).
وقد ترك الشيخ أبو يعقوب الوارجلانيّ آثارا كثيرة وهي كالآتي:
(1) - أبو الحسن علي بن يخلف التميجاري سافر إلى غانة سنة 575هـ.
انظر: الدرجيني، طبقات، ص 517.
(2) - الدرجيني، طبقات، ج 2، ص 492.