معالم الحضارة الإسلامية بوارجلان لعمر لقمان. موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٩٨ومع ذلك فرغم ما حقَّقه أهالي المنطقة من إحياء لموات الصحراء. واستحداثهم لجنَّات واسعة، وإنتاج وفير. نجدهم دائما كما رأينا في صراع مع الطبيعة، فتارة يتَّسع الاخضرار، وتارة يعمُّ القحط، فتارة تختفي العروق الرملية تحت غابات النخيل، وتارة تقف أعجاز النخل المنقعر فوق الكثبان الرملية دالَّة على حياة سادت ثمَّ بادت.
كما أنَّ حملات الأعراب المتكرِّرة أضعفت الزراعة بل قلَّصتها لعدم استتباب الأمن في الأماكن النائية، إلى أن انحسرت خلف أسوار المدن الحصينة(1) أضف إلى ذلك الحرارة المرتفعة ممَّا تسبَّب في انحسار أوقات العمل وصعوبته، وتبخُّر المياه. وكثرة الأملاح. فإذا قدَّرنا وزن هذه الصعوبات علمنا ما قدَّمه أهالي هذه المناطق من أعمال جبَّارة حتَّى حوَّلوا الصحراء المحرقة إلى واحات وارفة الظلال.
3 - الرعي وتربية الحيوانات:
يُعدُّ الرعيُ التقليديُّ أصعب حرفة عرفها الإنسان وذلك في المناطق الصحراوية خاصَّة، حيث يقلُّ فصل الإنبات وتجفُّ أحواض الغدير وبالتالي تنحسر مناطق الرعي وأماكن الكلأ، فبهذا يتحوَّل الراعي إلى متجوِّل في الصحراء يتسقَّط أخبار أماكن الخصب، ويتمرَّن على أوقاتها حتَّى يتحوَّل إليها.
والمصادر القديمة لا تهتمُّ بذكر هذه الأشياء إلاَّ عرَضًا وبهذا يصعب على الدارس تخصيص فقرات طويلة لهذا الجانب.
ومن إشارات بعض الدراسات والمصادر نذكر انتقال بعض القبائل والأفراد إلى جهات شتَّى قصد الرعي؛ فقبائل مزاته وسدراته كانت تصعد إبَّان الربيع إلى
(1) - عز الدين أحمد موسى. النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي خلال القرن السادس الهجري. دار الشروق: بيروت/ القاهرة، 1403هـ/ 1983م، ص: 193.