معالم الحضارة الإسلامية بوارجلان لعمر لقمان. موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦٦ثانيا: السياسة الداخليّة بوارجلان
بفضل حرص العلماء على تكوين مجتمع مثالي، ظهرت آثار ذلك الحرص على الناحيتين الاجتماعية والسياسية على السواء.
كما أنَّ للمجتمع أيضا الفضل بعد ذلك بما أولاه من طاعة لأهل الحلِّ والعقد من أئمَّته وذلك اعترافا بجميل تربيتهم الإسلامية وحسن رعايتهم.
فهذه الطاعة منهم من جهة وحسن الرعاية من جانب مشائخهم وساستهم من جهة أخرى، أزالت مظاهر الحكومات من شرطة وقصور وحجابة وسجون وجلاَّدين وعيون وقوانين وضعية هامشية، فلا تسمع بحكومة أجنبية عنهم استقرَّت هناك، إلاَّ ما كان من مرور بعض القادة العسكريِّين المتسلِّطين عليهم في فترات متقطِّعة على سبيل الغلبة والقهر، إذ أنَّ المتكالبين على الحكم في توسُّعاتهم قد تمتدُّ أياديهم لتصل إليهم بين آن وأخر، وقد تخضع المنطقة الوارجلانية لهؤلاء، فتدفع لهم الأتوات والضرائب ولكن الخضوع الأدبي والطاعة لا يكونان لهم بل لمشائخهم وعلمائهم، وذلك لأنَّ هؤلاء المشائخ كان اعتلاؤهم لمنابر السلطة الروحية برضى الجميع لما يتوفَّرون عليه من الورع والتقوى وإخلاص العمل لله.
إلى جانب العلماء نرى أنَّ أغلب الشعوب خاصَّة العربية والبربرية تخضع الخضوع المطلق لرؤساء قبائلها، إذ أنَّها تمثِّل السلطة العائلية، فلكلُّ قبيلة شيخ ترشِّحه لزعامتها إذا توسَّمت فيه مخايل النجابة والزعامة فإذا كان لديها علماء رشَّحت منهم، وإلاَّ فمن ذوى الرأي والمشورة، وإذا اتفقت هذه الزعامات وتآخت بينها رشَّحت زعيما قويًّا يجمع كلمة القبائل، ويكوِّن منها مجموعة مهابة الجانب.
ولذا فأنَّ مفهوم وجوب إيجاد حكم دولة أو هيمنة خارجية في جميع الأزمنة، مفهوم خاطئ، لا أساس له من الصحَّة مع هذه المجتمعات ذات الحكم