معالم الحضارة الإسلامية بوارجلان لعمر لقمان. موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٨٦وتوسُّط المساجد للبلدة يساهم أيضا في تقريب المسافات وتوزيعها بالسوية تقريبًا حتَّى ييسر ارتيادها وعمارتها.
وممَّا يميِّز مساجد الإباضية على الأغلب خلوُّها من الزخارف؛ من فسيفساء أو آجر أو رخام أو خشب منحوت، بل هي بسيطة كلَّ البساطة في تصميمها وبنائها وذلك اقتداءً بعمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - حينما بنى مسجده. فلم يكلِّف المسلمين بجمع الأموال رغم أنَّه بإمكانه الاهتمام بهذا الجانب، خاصَّة بعد أن أفاء الله عليه الغنائم والأموال، فلو كان هناك أحدٌ يمكن أن يُظهر حبَّه لله تعالى بهذا التصرُّف لكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأولى بفعله وكذا الخلفاء الراشدون من بعده.
ولم يُلزم الإباضيَّة أنفسَهُم فقط بهذه البساطة في البناء بل أنَّ أغلب الأرياف بالعالم الإسلامي ألزموا أنفسهم بذلك، فهو أدعى للخشوع من جهة وأيسر للإكثار من المساجد وإتمام بنائها من جهة أخرى، ويصفها الدكتور حسين مؤنس: «أسرفت في الواقعية حتَّى أصبحت في بعض الأحيان مجرَّد أشكال من اللبن مهمَّتها حماية المصلِّين من وهج الشمس … وهي من هذه الناحية مساجد رائعة بمعنى أنَّها تروع النفس ببساطتها وهيئاتها»(1).
فكأنَّ هذه البساطة في العيش والبناء جعلت الوارجلانيِّين يفكِّرون في أشياء أبسط بكثير من المساجد الواقية من الريح والمطر ووهج الشمس فصاروا يقصدون الغيران للتعبُّد، وقمم الجبال لأحياء الليالي والتأمُّل في ملكوت الله حتَّى سُمِّي الجبل المشرف على سدراته ووارجلان بجبل العُبَّاد إلى اليوم.
(1) - د. حسين مؤنس، المساجد، مطابع الأنباء، الكويت، 1401هـ/1981م، ص 233.