مواطن مسالك الدين في دعوة الإباضية وآثارها الشهيمي، إبراهيم بن حافظ بن محمد

مواطن مسالك الدين في دعوة الإباضية وآثارها

الجزء ١ · صفحة ١٤

وبعد

أن ينظروا في اكتمال الشروط التي وضعها المؤمنون في اختيار الأئمة، وهذا يقوم به العلماء العاملون المخلصون.

فإذا ضعف المسلمون حتى عن الدفاع، ولم تكن معهم تلك القوة والإرادة التي تثور بهم نحو محاربة الظلم والاستبداد، وخافوا على أنفسهم من بطش الأعداء، حينها يكون المسلك الثالث: وهو الشراء، فإذا صار عددهم أربعون وأكثر، حق لهم الشراء في سبيل الله، وحيث أن هذه الثورة بهذا العدد القليل من الشراة لا يتوقع تمكنها من الدولة الظالمة المسلحة، فلا أقل أن تكون هذه الثورة شغبا عليها ورعبا وقلقا يسود أصحابها، حتى لا تطمئن لتنفيذ خططها المستبدة الجائرة، فالشراء هو أمل المؤمنين الباقي بعد هذه الوهدة والضعف، يترقبون من بعيد أن يكتب الله للشراة النصر والتأييد، وأن يجعل في قلوب الظلمة الرعب والخوف؛ حتى يكفوا عن استبداد المستضعفين من المؤمنين، وبما أن مهمة الشراة صعبة ومسلكهم محفوف بالخطر، فإما نصر مؤزر وإما موت شريف؛ اشترط لكل من يسلكه من الشراة شروط قاسية، لا يقبلها إلا الفدائيون الشجعان، الذين يضحون بحياتهم من أجل نصرة دين الله، وردع الظلم وقمعه من عقر داره، فلا يحل للشراة أن ينسحبوا من الميدان؛ لأن مهمتهم تقتضي النصر أو الموت دون ذلك، ولا يعودوا إلى ديارهم إلا لضرورة ملحة، كالتزود للحرب مثلا، ويقصروا الصلاة في بيوتهم، ويتمونها في أماكن، رباطهم، ولا يحل فوق كل هذا أن يروعوا الآمنين، أو يهاجموا على المسالمين، وهذا إن دل، فإنما يدل على عدل هذا الفداء في سبيل الإسلام، فهو ليس كالتطرف الممقوت، الذي يأتي على الأخضر واليابس فيحرقه، ويأتي على الحرث والنسل فيهلكه، إنه بالفعل فداء عادل في دين الله.

من

فإن تعذر حتى الفداء، فلم يوجد في الأمة من يثور لنصرتها، وساد الضعف في المسلمين، وسيطر أعداء الله، وصارت أسباب القوة والغلبة في كفتهم، عندئذ يسلكون مسلك الكتمان، فيؤسسون لهم مؤسسات وجمعيات تقوم على ثقيف الناس، وتدريسهم أمور دينهم، وتقويتهم وانتشالهم ضعفهم، واعداد جيل من أهل الدعوة والاصلاح والعلم والدراية، جيل تكون لديه أسباب القوة وأهمها العلم، والمال ولا تكون علاقتهم بالظلمة المسيطرين إلا في أضيق طريق؛ لئلا يعاونوهم في ظلمهم وفسادهم، بل يقفون معهم فيما يكون لصالح المسلمين وحسب، وهم مع كل هذا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويستغلون جميع الفرص المتاحة

14