مواطن مسالك الدين في دعوة الإباضية وآثارها
الجزء ١ · صفحة ٣٣لجعفر وابنيه: زايد والنظر، وقد كانوا من أقارب الإمام؛ وسبب ذلك: بيعتهم لأعداء الإمامة والتخطيط للانقلاب ضدها، وهذا ما يسمى بالخيانة الكبرى، ولذا قام الإمام بعد مشاورة العلماء بقتلهم، تنفيذا لشرع الله فيهم، وردعا لكل من تسول له نفسه من غيرهم في محاولة الكيد أو نصرة العدو على إمامة قامت على الحق وبالحق. ويذكر أن الإمام دمعت عيناه حينما نفذ الحكم في حقهم، فرآه العلماء، فقالوا: أعصبية يا جلندى؟ قال لا! ولكنها الرحمة، ثم أنهم رغم ذلك رأوا بأن يقوموا بعزله حتى حين اختبارا لمعدنه وصدقه ودرسا للمسلمين فيمن يولون أمرهم، وأنه لا بد للإمام أن يكون قدوة لمن يتولى أمرهم، فلا يصدر منه إلا الحق والعدل، ولا تأخذه في الله لومة لائم، وأنه لا بد من وجود رقابة من العلماء الربانيين فوق كل حاكم، تثبته في حكمه متى ما كان أهلا في الحكم، وتعزله إن رأت في العزل مصلحته ومصلحة الأمة، هذا على رغم أن الموقف من الإمام لم يكن خطأ إلا أن للعلماء نظرتهم الثاقبة في ترسيخ العدالة الكاملة ما دام هناك ذرة لتحقيقها، وأن هذا يبقى درس للجميع ومنهاج ينير طريق من أحب أن يحقق العدل والانصاف في كل شيء، ونحن نجد في محكم التنزيل كيف أن الله أنب الأنبياء والمرسلين! لا لذنوب فعلوها، ولا لأخطاء فادحة اقترفوها؛ ولكن تصفية لجوهرهم الطاهر النقي، وأن هذا ما كان ينبغي منهم أن يحدث لمقامهم الرفيع عند الله، فالله أنب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " عبس وتولى أن جاءه الأعمى"، وكلنا يعلم أن هذا في طبيعة البشر لم يكن خطأ يؤاخذ عليه إنسان رأى في أن دعوة الناس إلى الإسلام وهم على الشرك، أولى من الاستجابة لتعليم غيره وهو على الإسلام، فالمشرك أحوج إلى الهداية من المسلم، ثم إن المسلم يمكن أن يؤجل طلبه، لكن المشرك يخشى عليه أن يموت إن تأجلت دعوته فيكون من الهالكين، وهذا ما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم حينما أعرض عن ابن أم مكتوم، وعبس في وجهه حينما أصر على طلبه، أي طلب من النبي أن يعلمه القرآن بينما النبي كان منشغلا بسادات قريش يدعوهم إلى الإسلام، فتغير وجهه عليه؛ إلا أن الله بعلمه وحكمته كان يعلم أن الاعراض وهو يطلب تعليم القرآن ما كان ينبغي أن يحدث من قبل نبي الرحمة، بل إن
عن
الأعمى
(عبس: 1-2)
??