مواطن مسالك الدين في دعوة الإباضية وآثارها الشهيمي، إبراهيم بن حافظ بن محمد

مواطن مسالك الدين في دعوة الإباضية وآثارها

الجزء ١ · صفحة ٣٤

الالتفات إليه والاجابة لطلبه أولى من المشركين؛ كونه يخشى الله وقد جاء ساعيا لطلب العلم، بينما المشركون كانوا في تصد وعناد وجبروت واستهزاء ولذا فليس هم أولى بالالتفات. وما أشبه موقف العلماء من الجلندى من موقف القرآن من الأنبياء، فهم ما عزلوه لذنب اقترفه، ولا لجرم فعله، ولكن تأنيبا له منهم بأن يكون أكثر حرصا على الثبات في مثل تلك المواقف، لئلا يتساهل المسلمون في، امامته وينظروا لها من منظر القبلية والعصبية، فقد يفهم أناس أن تلك الدمعات رحمة، وقد يفهمها الآخرون بأنها عصبية والأولى سد الذريعة، وإن كان من بكاء ففي مكان غير مكان تنفيذ الحكم. وقد استجاب الإمام العادل على طلب العلماء، وأخذ السيف والكمة وسلمها لهم، وصار في فترة التمحيص والاختبار كواحد منهم، يذهب ويروح وليس في خاطره إلا الرضا التام، وبعدما رأى العلماء صدقه ووفاءه أعادوه لمنصبه مرة أخرى، وقد حاول الرفض في البداية، إلا أنهم أصروا عليه فاستجاب لهم، وعاد لمنصبه كما كان بنفس العقد السابق، وسار فيهم سيرة حسنة، وحمد المسلمون حكمه فيهم، وعم العدل في البلاد، وكثر الخير فيها، واستراح الناس من الظلم. ومما امتاز بها عصر الإمام الجلندى: كثرة العلماء الورعين، أصحاب الهمم الرفيعة، والذين قامت على عواتقهم أركان الدولة، ومضوا بها نحو معالي الأمور، وهو الأمر الذي ساعد كثيرا بأن تسير الامامة وفق الخلافة الرشيدة، تقوم بالعدل، وتنشر المساواة بين الناس وتهجع إلى الرشد، وتنهض بالحق، وتطبق الشريعة كما جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، من إقامة للحدود، ورد للمظالم، والحقوق، واجباء للزكوات ودفعها لمصارفها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحث على ما يصلح الناس في دينهم ودنياهم وآخرتهم، وقد كان كل هذا في امامة الجلندى بن مسعود، وكل هذا بفضل الله، الذي سخر لهذا العصر هذا الرجل العظيم، وسخر له بطانة من العلماء الربانيين كانوا له سحائب ماطرة أينما وقعت أخصبت وأزهرت يقول العلامة منير بن النير: "كانوا أهل فقه، وأهل علم، وتؤدة وسكينة، ولب، وعقل، ورحمة وصدق ووفاء، وتخشع، وعبادة، وورع، وتحرج، وصلة، ونصيحة ظاهرة مقبولة، لا يطمعون بمطامع السوء، ولا يتعاطون من الناس الحقوق، ولا يسترشون على طلب الحوائج التي تعينهم من أمر الرعية، ولا يستفضلون في الرزق على الشبعة، ولا يغتاب بعضهم بعضا، ليس من شأنهم الغيبة ولا البغي ولا الحسد ولا التقاطع، ولا التدابر، ولا

34