مواطن مسالك الدين في دعوة الإباضية وآثارها
الجزء ١ · صفحة ٣٩مبغضين، ولسيرهم كارهين"؛ وفي مقولة ابن الصغير يلحظ الباحث: أن ابن الصغير قد أنصف مقالته، وكان صادقا في قوله، فهو لم يقل إلا ما شاهده بأم عينه ونحن وإن كنا نقدر له إنصافه وحكايته لسيرة الإمام كما رأى، إلا أن من العجب أن يبغض من كان حكمه كما ذكر! وكيف يكره سيرة من كانت سيرته كما ذكر! وعن ذكر عدالة الإمام عبدالرحمن وحسن سيرته كتبت أقلام وأقلام، ويكفي ما قاله الكعاك عنه: "فاستمر في عمله فرتب البلاد، واستمر فيها بالعدل والإنصاف متبعا أحكام الدين ومتبعا لأوامره واقفا عن نواهيه، فدانت له الرقاب خاضعة لعدله، ووفدت الأقوام إلى مملكته داخلة تحت رايته لما لها من كفالة في حكمه، ومن طمع في الارتزاق تحت ظل الأمن والرعاية ° إن هذا العدل في الحكم والانصاف في القضاء، وحسن سيرة الإمام وبطانته والناس من حوله هو الذي يقوي من ركيزة الدولة المسلمة، وهو الذي يؤلف قلوب الأمة المؤمنة؛ فإن تحقق هذا لأي مجتمع مسلم كان حتما ستنتعش الحياة، وتصلح الأحوال، ويعيش الناس في خير وأمان ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات السماء ـاء والأرض". وهذا ما تحقق لهذه الدولة المسلمة دولة الإمام عبدالرحمن بن رستم، فعاشت ما شاء الله أن تعيش في خير وفضل ونعمة من الله، وقد تكاثر نسلها، وكثر خيرها وتوسع علم أصحابها، وقصدها الناس من أصقاع عديدة، طمعا في العيش تحت حكم عادل يحكم بما أنزل الله، ورغبة في طلب العلم لانتشار العلماء فيها، وطلبا للرزق لتفكر خيرات هذه البلدة المباركة. وأترك للقارئ أن يتصور أثر قيام هذه الدولة العادلة فيما كتبه ابن الصغير المالكي
من
عنها فيقول:
"قوي الضعيف، وانتعش الفقير، وحسنت أحوالهم وخافهم جميع من اتصل به خبرهم، وأمنوا ممن كان يغزوهم، ثم شرعوا في العمارة، والبناء وإحياء الموات، وغرس البساتين، وإجراء الأنهر، واتخاذ الرحاء، وغير ذلك واتسعوا في البلد وتفسحوا فيها، وأتتهم الوفود والرفاق من كل الأمصار وأقاصي الأقطار، ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم، وابتنى بين
علي يحيى، الإباضية في موكب التأريخ، مرجع. سابق، الحلقة 4، ص 64.
المرجع نفسه، ص47.
الرحاء: جمع رحا وهي عبارة عن حصاتين مستويتين يطحن بها الحبوب، ويصلح أن تجمع "رحوات". انظر: المرجع
نفسه، ص?
??