مواطن مسالك الدين في دعوة الإباضية وآثارها الشهيمي، إبراهيم بن حافظ بن محمد

مواطن مسالك الدين في دعوة الإباضية وآثارها

الجزء ١ · صفحة ٤٠

حتى

أظهرهم، لما يرى من رخاء البلد، وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته، وأمانه على نفسه وماله، لا ترى دارا إلا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان، البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين، ورحبتهم، وهذا مسجد الكوفيين، وهذا مسجد البصريين، والبلد زائدة عمارتها في ذلك كله، والسيرة واحدة وقضاته مختارة وبيوت أمواله ممتلئة وأصحاب شرطته والطائفون به قائمون بما يجب، وأهل الصدقة على صدقاتهم، يخرجون في أوان الطعام فيقبضون أعشارهم في هلال كل موسم، ومن أهل الشاة والبعير يقبضون ما يجب على أهل الصدقات لا يظلمون ولا يظلمون … ثم أمر قوما في نفوسة يمشون في الأسواق فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإن رأوا قصابا ينفخ في شاة عابوه، وإن رأوا دابة حمل عليها فوق طاقتها أنزلوا حملها وأمروا صاحبها بالتخفيف عنها، وإن رأوا قذرا في الطريق أمروا من حول الموضع أن يكنسه، ولا يمنعون أحدا الصلاة من في مساجدهم، ولا يكشفون عن حاله ولو رأوه رافعا يديه، وكانت خطبهم على المنابر خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب … إن قضاته وأصحاب بيت أمواله وأصحاب شرطته ومن بالبلد من فقهاء الإباضية وغيرهم لم يطالب بعضهم بعضا، ولا سعى بعضهم ببعض، وكانت مساجدهم، عامرة وجامعهم يجتمعون فيه وخطيبهم لا ينكرون عليه شيئا … إلا أن الفقهاء تناجت بالمسائل فيما بينهم وتناظرت واشتهت كل فرقة أن تعلم ما خلفتها فيها عاقبتها ومن أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم، قربوه، وناظروه ألطف مناظرة، وكذلك من أتى الإباضية إلى حلق غير لهم كان سبيله كذلك.".

إن التجربة الإباضية في سياسة الظهور وقيام الدول العادلة لها ميادين عديدة وهي أكثر من أن تحصر؛ وإنما ذكرت مثالا واحدا من بين العديد من الأمثلة؛ لأن حصرها يحتاج لموسوعة تأريخية وبحثي هذا كان الهدف منه إبراز صدق النظرية الإباضية في مسالك الدين، وأنها ليست مجرد تنظير تعمر به الكتب ولا وجود لها في الساحة السياسية؛ بل بالعكس فالإباضية إن أردت دراسة فلسفتهم الإسلامية وسياستهم في الحكم، فعليك بتجاربهم التي خاضوها فهي

شاهد عليهم.

ه علي يحي، الإباضية في موكب التأريخ، مرجع سابق، الحلقة4، ص8-9.

أكبر

40