مواطن مسالك الدين في دعوة الإباضية وآثارها الشهيمي، إبراهيم بن حافظ بن محمد

مواطن مسالك الدين في دعوة الإباضية وآثارها

الجزء ١ · صفحة ٧٢

المطلب الثاني: الإباضية ومخالفيهم في مرحلة الكتمان

إن المتتبع لتأريخ الإباضية في مرحلة الكتمان يجد بأن العلاقة بين الإباضية ومخالفيهم ليست على وتيرة واحدة؛ فهي تختلف باختلاف الزمن والأحوال، تنغلق في زمن، وتنفتح في زمن آخر، "يقول الشيخ أبو الربيع سليمان بن يخلف النفطي (أواخر ق 5 هـ) يوصي أتباع الإباضية: احذروا كثرة مجالس المخالفين … وتجنبوا مخالطتهم والميل إليهم وكثرة مطالعة مؤلفاتهم وحذروا من ذلك سواكم … "، وقد غضب بعض مشايخ الإباضية على ابن خلفون (أواخر ق 6هـ) لأنه كان شغوفاً بمطالعة بعض كتب المخالفين ككتب "الأشراف". ولو جئنا وتكلمنا عن حقيقة هذا الانغلاق وإلى أي حد هو؟ نجد بأنه ليس انغلاقا مطلقا إلى حد التقوقع، فلا بد من شيء من التواصل ولو بصورة غير مباشرة ليتسنى لهم معرفة ما عند الآخرين على الأقل؛ فالإباضية ما لجأوا إلى الكتمان فرارا بدينهم ودعوتهم وانتهى الأمر؛ بل هم حريصون لإيصال هذه الدعوة إلى الآخرين، فإن تعذرت في فترة الكتمان وصارت هناك معوقات وعراقيل تمنع

عنهم

من إيصالها كما ينبغي، فلا شك أنهم يتابعون عن كثب ما عند الآخرين، ويعدون يوما لمناظرتهم والتخاطب معهم علنا، وقد أذهب الله عذر الكتمان والتستر عن المخالفين، وأظهرهم وأوجب عليهم واجب الدعوة إليه "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور" الحج 41. ووجود هذه الفجوة مع المذاهب الأخرى، وعدم الأنس إليهم لم يكن في جميع فترات الكتمان وإنما في بعض الفترات الحرجة؛ وسببها أنها حدثت في فترات كانت فيها الصراعات المذهبية قد وصلت أوجهها، ولكي لا يتأثر أتباع المذهب بأفكار الآخرين فينتهجوا نهجهم؛ منعوا من مجالستهم، والذوبان بما لديهم، خاصة في بدايات النشأة، حينما تفرقت الأمة إلى فرق وأحزاب، فقد كانت كل فرقة تقول بأن الحق معها، وهذا ما منع حتى المذاهب الأخرى غير الإباضية أن يجالسوا غيرهم من مخالفيهم؛ على أن الإباضية لم يقولوا بأن الحق محصور فيهم وحدهم وما سواهم إنما هم ضالون مضلون،

ا عدون جهلان، الفكر السياسي، مرجع سابق، ص???. انظر: عدون جهلان الفكر السياسي، مرجع سابق، ص???.

??