مواطن مسالك الدين في دعوة الإباضية وآثارها الشهيمي، إبراهيم بن حافظ بن محمد

مواطن مسالك الدين في دعوة الإباضية وآثارها

الجزء ١ · صفحة ٧٣

أو أنهم كفروا وأخرجوا مذهبا من المذاهب من الملة كما فعل غيرهم؛ هذا لندرك بأن الفجوة لم تكن بدافع عصبي مذهبي، مقيت، وإنما سببه ديني؛ فهم في المقام الأول ما انتهجوا منهج الكتمان إلا ليحافظوا على دينهم وعقيدتهم مما يفسدها، ويعكرها، وحتى يأسسوا لها جيدا، ويتلمذوا عليها الطلبة قبل السماح لهم بالمطالعة بما عند الآخرين فإن علموا وهم في التأسيس بأن ذاك يحصل بمخالطة من يظنون بأنه يفسد عليهم صفو العقيدة وسلامة الدين؛ فمن الطبيعي بأن يشددوا عليه ومن الطبيعي أن نجد هذا مبررا لهم بأن يمنعوا تلاميذهم من قراءة كتب المخالفين في تلك الفترة الحرجة قبل البدء بكتب المذهب والتمكن منه؛ وهذا مخافة الانخراط والتأثر بهم فيؤدي ذلك إلى ضياع من يعتمد عليهم حمل أمانة هذا المذهب بما يحمله من عقيدة راسخة ومبادئ ثابتة.

أما السبب الثاني فهو السبب الحقيقي وراء كتمانهم، فضلا عن مخالطتهم لمخالفيهم، وهو الذي أغلق هذه الدبلوماسية والعلاقات الحميمة بين المذهب الإباضي والمذاهب الأخرى في تلك الحقب؛ فهو سبب سياسي جعل الإباضية يتخذون موقفا حذرا من الآخرين وذلك: خوف الوشاية عليهم، وكشفهم أمام السلطات المعادية لهم إن هم اطمأنوا إليهم وأنسوا لهم، مثلما حصل في زمن أبي عبيدة بن أبي كريمة التميمي الذي انعزل بدعوته ودعاته إلى المغارات والسراديب؛ ولكن رغم كل ذلك فهو على اتصال دائم بالأمصار الموالية لفكره، كاليمن والحجاز وعمان ودول المغرب وغير الموالية له؛ ليدرك ما يحاك وما يدور، وعلى اتصال بالمخالفين اتصالا غير مباشر عن طريق العيون التي أعدها لهذه المهام خاصة في فترة مكوثه في تلك الأماكن النائية؛ ليستفيد من كل شيء في سبيل بناء دوله التي كان ينظر إليها من بعيد، والتي تحققت له بعد ذلك عن قريب. "علما ": أن هذا التستر والاختفاء فرض عليهم بالظلم والبطش ولم يرضوه لأنفسهم اختيارا".

وقد ينظر الناظر إلى هذا التستر والكتمان في تلك الفترات من أول وهلة على أنه أمر قاس وشيء لا تطيب له النفوس؛ إلا أنه تربى من وسط هذه المعاناة أجيال حملوا أمانة العلم، وأقاموا

عدون جهلان الفكر السياسي، مرجع سابق، ص???

??

V