مواطن مسالك الدين في دعوة الإباضية وآثارها
الجزء ١ · صفحة ٧٩إن هذا الأمر إن دل على شيء فإنما يدل على المحبة الصادقة بين الإمام جابر وقاداته وأتباعه، وهذا أمر ضروري؛ لأنه يخدم الدعوة السرية مباشرة؛ حيث يجعل أصحاب المذهب جميعا رابطة واحدة، يخدمون بعضهم بعضا، وينشرون دعوتهم وفق تنظيم محكم ورصين، يقوده إمام عالم في السياسة والدين له حق السمع والطاعة؛ فلا ينفذ أمر إلا بفتواه وأمره؛ ولذا لا نستغرب كيف أن السياسات المعادية للفكر الإباضي في تلك الآونة لم تستطع أن تتوصل إلى أن الإمام جابر بن زيد هو قائد الدعوة الإباضية، وأنه هو وراء كل أمر يقوم به أصحاب الدعوة من تدريس لأصول المذهب ومبادئه وأفكاره ونشرها للناس؛ هذا لقوة العلاقة بين الإمام والأتباع، وصدق المحبة بينهم مما جعلهم يتفانون في سبيل حمايته وكتم أسراره وأسرار الدعوة، ومما ينقل أن الإمام جابر بن زيد أمر بقتل رجل يدعى خردلة، كان من أفراد المذهب، فخرج وبدأ يفشي الأسرار، وتسبب في قتل جماعة منهم يقول الجيطالي: "وكان خردلة هذا فيما وجدت من أهل هذه الدعوة، ثم خرج عنها وتركها، فجعل يطعن على المسلمين ويدل على عوراتهم فلذلك استحل جابر قتله" ' الأمر الذي يدل على قوة الرابطة بين الأفراد والإمام، ودقة التنظيم، وشدة التحفظ على أسرار الدعوة، فلو خرج فرد عن المذهب، ولم يبح شيئا من الأسرار تركوه وحرية اختياره أما إن صار عدوا لهم وبدأ يفشي أسرارهم ويدل على عوراتهم، فهذا قد أوجب الإمام جابر قتله؛ لأنه عرض الدعوة وأصحابها للخطر كما قال عن خردلة حينما سأله رجل أي الجهاد أفضل؟ قال: قتل خردلة.
عنه،
من
لقد اتخذ الإمام جابر بن زيد وأصحابه أقصى درجات الحيطة والحذر في سبيل نشر دعوتهم، ذلك: أنهم كانوا ينشرون العيون حول الأماكن التي يرتادونها لتدارس العلم، وكل ما له صلة بأحوال الدعوة والأوضاع السياسية للمنطقة، وعندما ينبهون بوجود خطر قادم يتركون المجلس مباشرة، ويتفرقون هنا وهناك؛ وبهذه الطرق وأمثالها تمكنوا من الحفاظ على سرية دعوتهم وبثها للناس، ولم يذكر أنهم ظفر بهم في مجلس قط كما يروي لنا محبوب بن الرحيل ذلك: "وما بلغنا أنهم ظفر بهم في مجلس قط إلا أنهم كانوا ذات مرة في عهد زياد وابنه أتاهم الخبر بأن الخيل
ا الجيطالي، شرح قواعد الإسلام ورقة 26 أ. انظر: مهدي طالب الحركة الإباضية، مرجع سابق، ص67.
??