مواطن مسالك الدين في دعوة الإباضية وآثارها
الجزء ١ · صفحة ٨٠منهم"
تريدهم فخرجوا مسرعين وتركوا نعالهم على باب البيت الذي كانوا فيه، فجاء الشرط فنظروا إلى النعال فقالوا للعجوز وصاحبة البيت ما هذه النعال فقالت: مكاتب لنا يسأل الناس فيعطى النعال وغيرها، قالوا بالله ما ذلك كما ذكرته، فإن هذا موضع ريبة قال فقال بعضهم قد ذكرت العجوز ما ذكرت فلا تعرضونا للبلاء فلعلها أن تكون صادقة، قال: فعافاها الله وكلما مروا بموقف يشكك العدو نحوهم ابتكروا طريقة جديدة في التخفي والتستر، تكون أحوط من سابقتها كما ينقل لنا الدرجيني صورة لطرق عجيبة استخدمها الأصحاب لمزيد من السرية: "يأتون المجالس أيام زياد وابنه في هيئة النساء في النقاب وغير ذلك يتشبهون بالنساء، وكان أحدهم ليحمل على ظهره جرة ماء، ويحمل حملة متاع كأنه بياع حتى يدخل المجلس" '؛ مما يدل على نضوج الفكر ودهاء العقل، وبراعة الأخذ بالأسباب في سبيل الحفاظ على أغلى ما يحملونه " الدعوة إلى الحق والاستقامة". وهكذا تمكن الإمام جابر وأتباعه الحفاظ على سرية الدعوة، ونشرها بكل تأن وصبر وحكمة؛ فازداد عدد الأتباع، وتوسع الفكر في المنطقة، ولم يتمكن أحد من كشف حقيقة قيادته للمذهب من الأمويين حتى جاء عصر الحجاج الذي شك في أمره بعد فترة من توليه إمارة، العراق، فحبسه ثم نفاه إلى عمان حيث بلده الأم، فرسخ أفكاره فيها، فصارت محضنا أساسيا للفكر الإباضي؛ وهذا يدل على براعة الإمام جابر في التكتم وإدارة شؤون المذهب دون أن يترك أثرا يدينه أو يكشف من حقيقته، وعلى إخلاص الأتباع والعمل على إخفائه عن أعين الرقباء من ذلك: أمر الإمام جابر بحرق الرسائل التي لها علاقة بسياسة المذهب بعد الاستفادة منها؛ لئلا تقع في أيدي الحكومة الأموية، حتى أن الحجاج الثقفي نفسه ظل فترة طويلة يعامل الإمام جابر بالود، وكان لكاتبه زيد بن أبي مسلمة فضلا في ذلك؛ حيث كان يشيد بتواضعه وعلمه أمامه، ولم يشك الحجاج في أمر سياسته للفكر الإباضي بل وحاول استمالته لجعله قاضيا على البصرة " قال لا ينبغي أن نؤثر بك أحدا نجعلك قاضيا للمسلمين" ' إلا أن الإمام جابر رفض ذلك وتهرب
من
الدرجيني،
طبقات الإباضية،?، ص ??? أ. انظر: مهدي، طالب الحركة الإباضية، مرجع سابق، ص66.
مهدي، طالب الحركة الإباضية، مرجع سابق، ص 66.
المرجع نفسه ص68.
A.