الغرر عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٦١خلال
ذلك
ثم جاء عقد التأمين إلى الدول الإسلامية التي كانت تحت وطأة الاستعمار من شركات المستعمرين، إلا أن المسلمين تحفظوا على هذا العقد، وأول من تعرض على هذا العقد من فقهاء المسلمين هو ابن عابدين الفقيه الحنفي في حاشيته رد المحتار حيث يقول: " مطلب مهم فيما يفعله التجار من دفع ما يسمى سوكرة وتضمين الحربي ما هلك في المركب وبما قررناه يظهر جواب ماكثر السؤال عنه في زماننا: وهو أنه جرت العادة أن التجار إذا استأجروا مركبا من حربي يدفعون له أجرته، ويدفعون أيضا مالا معلوما لرجل حربي مقيم في بلاده، يسمى المال: سوكرة على أنه مهما هلك من المال الذي في المركب بحرق أو غرق أو نهب أو غيره، فذلك الرجل ضامن له بمقابلة ما يأخذه منهم، وله وكيل عنه مستأمن في دارنا يقيم في بلاد السواحل الإسلامية بإذن السلطان يقبض من التجار مال السوكرة وإذا هلك من مالهم في البحر شيء يؤدي ذلك المستأمن للتجار بدله تماما، والذي يظهر لي: أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك ماله لأن هذا التزام ما لا يلزم (1) ". فالفقيه الحنفي ابن عابدين أفتى بحرمة عقد التأمين وقال لأنه التزام ما لا يلزم.
من
ومضت الفتوى على تحريم عقد التأمين التجاري إلى أن ظهرت فتوى عند مفتي الديار المصرية في عهد الشيخ محمد عبده، حيث عرضت عليه بعض الشركات التي تعمل في أرض الكنانة، عقدها لأن الناس قد عزفوا عنها إذ لم يفت أحد من المسلمين بجواز عقد التأمين، فأرادت أن تنشط تجارتها فعرضت عليه فتوى ودلست في تلك الفتوى وجعلتها في صورة عقد مضاربة، وهذ نص السؤال: عن رجل اتفق مع جماعة على أن يعطيهم مبلغا معلوما في مدة معينة على أقساط معينة للاتجار به فيما يبدو لهم فيه الحظ والمصلحة وأنه إذا مضت المدة المذكورة وكان حيا يأخذ هذا المبلغ منهم مع ما ربحه من التجارة في تلك المدة وإن مات في خلالها تأخذ ورثته
(1)
ابن
عابدين، محمد أمين، رد المحتار على الدر المختار في شرح تنوير الأبصار المعروف، ط 2. (بيروت: دار الفكر،
1412 هـ - 1992 م)، ج 4، ص 170.
53