الغرر عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٦٤الضوابط والدراسات ما يقيها من الوقوع في الخسارة، فلذلك عندما يتكلمون عن حصول الغرر في الشركة نرى في الواقع أنها غير واقعة في الغرر من حيث حصول الأرباح وانتفاء الخسارة، أما بالنسبة للمستأمن فإن الاحتمال فيه معدوم؛ وذلك لأن المعاوضة الحقيقة في التأمين بأقساط إنما هي بين القسط الذي يدفعه المستأمن وبين الأمان الذي يحصل عليه، وهذا الأمان حاصل بمجرد توقيع العقد دون توقف على الخطر المؤمن منه بعد ذلك (1).
قد يقول قائل: إن زوال الاحتمال عن المؤمن غير دقيق؛ لأنها مهما بلغت دقة إحصاءاته
لا يعرف مجموع ما سيأخذه ومجموع ما سيعطيه يقينا.
يمكن أن يقال بأنه لا سبيل إلى اليقين، ولو اشترط في المعاملات لما جاز كثير منها، فإذا وجد فرق بين الإحصاءات الدقيقة وبين الواقع فإنه غالبا يكون فرقا يسيرا، والغرر اليسير في المعاوضات مغتفر بالاتفاق.
لو سلمنا بوجود الغرر في عقود التأمين، لكن الغرر لا تخلو منه أعمال الإنسان وتصرفاته المشروعة، وقد أقر الفقهاء عقودا يكتنفها قدر من الغرر كدخول الحمامات بأجر غير محدد في البدء مع الجهل بمدة بقاء وكمية الماء المستعمل، وأقروا استئجار المرضع بطعامها وشرابها غير محدد (2)، بل إن بعض العقود الجائزة يكتنفها الغرر الكثير كعقد الجعالة حيث إن فيه غررا في إنجاز العمل وغررا في مقداره وغررا في مدته، ومع ذلك أجازه جمهور أهل العلم.
قد يقول قائل: إن التأمين التجاري فيه معاوضة بين ماليين وهذا ربا ونوقش هذا الدليل أن التأمين ليس ربا؛ لأن أحد العوضين ليس نقدا بل هو منفعة تحصل في تحمل المؤمن تبعة تحقق
(1)
انظر: الزرقا، نظام التأمين وحقيقته والرأي الشرعي فيه، مرجع سابق، ص 52.
(2) انظر: الشقصي، خميس بن سعيد بن علي بن مسعود، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، تحقيق: سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، ط 1. سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1400 هـ /1980 م)، ج 12، ص 270
56