منهج الشيخ سالم بن خلفان الراشدي في تفسيره المرجان
الجزء ١ · صفحة ٥٩وفي هذا المعنى يقول الجعبيري: ففلسفة الإباضية في فهم ما دل ظاهره على التجسيم من القرآن والسنة واضحة غاية الوضوح، إذ تعتمد على سياق النص وعلى ما في اللغة من مجازات واستعارات، وتختلف اختلافا جوهريا عن الذين ينفون المجاز".
ومن
تلك التأويلات المتشابهة تأويله للاستواء عند قوله تعالى: لا هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا في الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّلَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتِ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: (29)].
فقال: "في معنى الاستواء في العرض في الآيات التي جاءت بذلك هو يستعمل بمعنى الاستيلاء، كما في قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق
من غير سيف ودم مهراق"
ولكن قد يقال في الآية مورد الكنايات؛ لأنها من المراد بها أنه -سبحانه وتعالى- هو مالك الملك الذي يصرف الكائنات بأسرها وفق مشيئته وتدبيره من غير أن يخرج شيء منها عن إرادته، وهذا لأن العرش في العرف البشري: هو سرير الملك الذي يقعد عليه الملك فيدير أمر مملكته، ولذلك يقولون: قعد فلان الملك على العرش بتاريخ كذا، بمعنى أن حكمه كان في ذلك التاريخ، ولو لم يكن له عرش يقعد عليه قط، وإنما هذا كما يوصف الكريم بأنه جبان الكلب، وبأنه كثير الرماد، ولو لم يكن له كلب قط، أو لم يكن في بيته رماد.
ومن حيث إن التأولين محتملان معا كان كل منهم لم يعد أن يكون على وجه الاحتمال والمثال، ومثله قوله تعال هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ} [البقرة: (210)]، فإنه يحتمل أن يكون المراد به إتيان أمره أو إتيان ميعاد الذي وعدهم إياه، ولذلك اختلفت آراء أهل
(1). الجعبيري، فرحات بن علي البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، ط?، (مسقط: مطبعة الأولوان الحديثة، (1408) هـ - ????م)، ص (274).
(2). البيت ينسب للأخطل، انظر: ابن كثير إسماعيل بن عمر، البداية النهاية، د. ط، (دمشق): دار الفكر، (1407) هـ - (1986) م)، ج ?، ص (261).