الجانب الاجتماعي في سير الشماخي
الجزء ١ · صفحة ١٧بسيوف نفوسة وأموال مزاتة»(1).
ب- أثر القرابة في السياسة والقضاء:
- أمَّا في السياسة، فقد ذكر الشمَّاخيُّ أنَّ أبا قدامة يزيد بن فندين مال «إلى مبايعة عبد الوهَّاب لأنَّ أمَّ عبد الوهَّاب يفرنيَّة وطمع أن يؤثره على من سواه»(2)، إلاَّ أنَّه كان ما كان من ابن فندين وفرقته النُّكَّارية(3)، لَمَّا قدَّم الإمامُ عبد الوهَّاب «الراغبين عن الأمور وأخَّر الراغبين فيها فوقع في نفس ابن فندين»(4). وهنا نلحظ أنَّ القرابة من الإمام الحاكم لم تكن سببا في إيثارهم على من سواهم، على خلاف ما عهدناه من الحكَّام في شتَّى الأزمنة والأمكنة.
- وأمَّا في القضاء فقد تنازع أبو العبَّاس بن الإمام عبد الوهَّاب وصهرٌ لأفلح بن عبد الوهَّاب في أرض، فرفعا قضيَّتهما إلى القاضي محكَّم الهواري، «فسبق أبو العبَّاس فجلس معه في سقيفة الدار وأدنى مجلسه، وحادثه، فخرجت جارية القاضي فاستسقاها، فوصل الخصم ورأى بعضَ ذلك، فوقع في نفسه أنَّ خصمه بجنب القاضي يحادثه ويستسقي وأنا ملقًى على باب الدار لا يلتفت إليَّ، فلاحت من القاضي نظرة فرآه فقال: ما حاجتك؟ قال: جئت خصما لأبي العبَّاس فوجدته جالسا إلى جنبك فجلست هنا، فأغضبه ذلك فقال لأبي العبَّاس: تأتيني خصما وتجلس إلى جنبي وتستقي جاريتي! ياغلام خذ بيد أبي العبَّاس وأجلسه مكان خصمه ولا يبرح، وخذ بيد خصمه وأجلسه إلى جنبي، وأْمر الجارية فلتسقه، ففعل الغلام … فاتصل فِعْلُه بوجوه الإباضيَّة فأعجبهم فاستحسنوه»(5). وفي ذلك قال عمر بن الخطَّاب في وصيَّته لأبي موسى الأشعري: « … وَآسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ وَمَجْلِسِكَ وَقَضَائِكَ حتَّى لاَ يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ وَلاَ يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ»(6).
ج- بين أخوَّة الدم وأخوَّة الدين:
لَمَّا رجع العبَّاس بن أيُّوب، ذهب ليعزِّي أقارب الموتى في معركته ضدَّ خلف بن السمح، الذي شقَّ عصا الطاعة، وحاول الانقلاب على الدولة، فقال لأولياء القتلى من الخلفيِّين: «آجركم الله في مصابكم في إخوانكم، فقالوا: ياعبَّاس ليسوا بإخواننا ولكنَّهم أرحامنا، وإنَّما إخواننا أنتم»(7). وفي القصَّة إشارة إلى قوله
(1) المصدر نفسه، ص205، 267 - 268. وينظر: أبو زكرياء: السيرة وأخبار الأئمَّة، ص360.
(2) سير الشمَّاخي، ص145.
(3) هنالك من يرى أنَّ هذه الفرقة أشبه ما تكون بالمعارضة المطالبة بالديمقراطية، وعدم تركيز كلِّ السلطات في يد الحاكم. وهي وجهة نظر تحتاج إلى دراسة وتأمُّل، وتحليل لأحداث التاريخ واستلهام العبر منها.
(4) المصدر نفسه، ص146.
(5) المصدر نفسه، ص194 - 195.
(6) البيهقي: السنن الكبرى، رقم: 21042، 10/ 150.
(7) سير الشمَّاخي، ص197.