الجانب الاجتماعي في سير الشماخي مصطفى بن محمد شريفي

الجانب الاجتماعي في سير الشماخي

الجزء ١ · صفحة ١٨

تعالى لسيِّدنا نوح عليه السلام: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾(1).

5) العرب في المغرب الإسلامي:

لَمَّا كان أبو يعقوب الوارجلاني (ت: 570هـ) وأبو عمَّار بمكَّة، سأله أبو يعقوب «عن أموال العرب يتنزَّهون عنها في بلاد المغرب ويشترونها بمكَّة، وقد عاينَّاهم يفعلون بالحجاز من غَصْبِ أموال الناس ما يفعلونه ببلاد المغرب بل أقبح وأذمَّ. قال أبو عمَّار: هذه جزيرتهم، والأصل ما بأيديهم لهم، والمغرب بلاد البربر وما دخلوها إلاَّ على وجه الغصب والغارة»(2). هذا ينبغي أن نضعه في إطاره التاريخيِّ زمانا ومكانا، لَمَّا كانت أريغ ووارجلان تتلقَّى الضربات الموجعة من قِبل بعض الأعراب، بسبب الغارات المتكرِّرة على الأموال والأنفس والثمرات.

6) اليهود في المغرب الإسلامي:

كان اليهود مستوطنين في بلاد نفوسة، ويعيشون مكرَّمين جنبا إلى جنب مع المسلمين، فقد كان أبو مهاصر موسى الإفطماني، يخصِّص نصيبا ليهوديٍّ ممَّا يجلبه(3).

وذكَر البدر الشمَّاخيُّ أنَّ يهوديًّا دخل على أبان بن وسيم وهو غضبان، فقدَّم له نصيحة وقال: «مثلك لا يغضب على أمر الدنيا، فوطِّن نفسك على أن لا ترى فيها ما يسرُّك، وكن كمن قدَّم بضاعته إلى بلد يريد اللحوق بها»(4). وفي ذلك حكمة، وهي ضالَّة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أحقُّ بها، ولو جاءته من عدوِّه.

ومن صور التسامح مع اليهود، أنَّ أبا يحيى زكرياء الأرجاني «القاضي العادل العالم الكامل الإمام الفاضل جمع علما وعملا وورعا» قدَّمه نفوسة حاكما أو إماما مدافعا، جمع اليهود له أربعين دينارا هديَّة له بمناسبة ميلاد ابن له، «فقال: لو قدرت أن أصونكم لأخذت الجزية، فأبى أن يقبلها، وأطعمهم عنبا وانصرفوا. قالوا: ما رأينا مثل هذا البلاد! لا يطمع سلطانها في أموال الناس، فأخذوا في اشتراء الربع»(5). وكان منهم تجَّار مترفون(6). وربَّما وقعت مع بعضهم بعض الخصومات العادية التي تقع بين التجَّار المتعاملين في شتَّى المجتمعات(7).

ومن العلماء من عمل على صرف المضرَّة عن اليهود، فقد روى المؤلِّف عن البغطوريِّ أنَّ ابن فلاوسن أحد الشطَّار كان يدخل في الفنادق من فسحة غير مبنيَّة، ويأخذ أولاد اليهود ولا يردُّهم حتَّى يُفْدُوهم، فبنى تلك الفتحة أبو داود سليمان بن أبي يحيى الدرفي عملاً بفتيا الشيخ أبي يوسف وجدليش بن في، دفعا للضرر(8).

7) النصارى في المغرب الإسلامي:

تدلُّ الروايات على التعايش والانسجام بين النصارى والمجتمع الإسلاميِّ، وقد كانت لبعض المشايخ حوائج يقضيها لهم نصارى، ومنهم أبو يحيى الأزدالي، الذي تطوَّرت العلاقة بينه وبين نصرانيٍّ إلى أن يتزوَّج إحدى بناته، وأدخلها الإسلام، وهي أمُّ الخطَّاب، فلمَّا أصبحت من ليلة زفافها «أتتها أمُّها فقالت: مرادي بقاؤك على دينك، وإذا تركته فكوني أفضل أهل دينك. فأخذت بقول أمِّها، فشمَّرت عن ساق الاجتهاد، فآثرت ما ينجِّيها يوم المعاد، ووافقت الشيخ»(9).

وأبو يحيى تكسنيت أمُّه نصرانيَّة، وذكر من كراماته أنَّه يأبى من الرضاع من أمِّه إذا شربت خمرا(10).

ثالثا) الأسرة في سير الشمَّاخي:

1) بيت النبوَّة المثالي:

أشار البدر الشمَّاخيُّ إلى روح الدعابة بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزوجاته رغم معاناة المرض، إذ ابتدأ الوجع بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في أواخر أيَّامه، «ووجد عائشة تقول: ”وارأساه“! لوجع في رأسها فقال: ”بل أنا والله يا عائشة وارأساه“!. ثمَّ قال: ”وما يضرُّك لو متِّ قبلي فقمت عليك وكفَّنتك وصلَّيت عليك ودفنتك“؟ قلت: ”والله فكأنِّي بك لو فعلتَ ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك“! فتبسَّم عليه السلام»(11). هذه صورة رائعة للمودَّة، وروح الدعابة بين الزوجين، وكلاهما يشكو صداعا. وفي ذلك عبرة للمسلم الراضي بقضاء الله، المبادلِ زوجَهُ مودَّة ورحمة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(12).

(1) سورة هود: 46.

(2) سير الشمَّاخي، ص442 - 443.

(3) ينظر: المصدر نفسه، ص199.

(4) المصدر نفسه، ص217.

(5) المصدر نفسه، ص243.

(6) ينظر: المصدر نفسه، ص243.

(7) ينظر: المصدر نفسه، ص321، 323.

(8) ينظر: المصدر نفسه، ص339 - 340. وإن كانت هذه الفتوى قد نقضها عالمان آخران هما: أبو سليمان البطريسي وأبو سهل البشر بن محمَّد، إذ أمرا بهدم ما تمَّ بناؤه، فتمَّ لهما ذلك.

(9) المصدر نفسه، ص257.

(10) ينظر: المصدر نفسه، ص245.

(11) المصدر نفسه، ص11 - 12.

(12) سورة الروم: 21.

١٨ / ٦٤