الجانب الاجتماعي في سير الشماخي
الجزء ١ · صفحة ١٩ومن العلاقة الأسريَّة المذكورة في سير الشمَّاخي استئذانه - صلى الله عليه وسلم - أن يمرَّض في بيت عائشة(1)، وهو من كرم أخلاقه، وعدله بين نسائه.
ومنها إيراده للَّحظات الأخيرة من حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «فاضطجع في حجر عائشة فرأى سواكا أخضر في يد بعض آل أبي بكر فنظر إليه في يده نظرة عرفت أنه يريده، قالت: فأخذته فمضغته حتَّى لينته ثمَّ أعطيته إيَّاه فاستنَّ كأشدِّ ما رأيته استنَّ بسواك قطُّ، ثمَّ وضعه فنقل في حجري، فنظرت في وجهه وإذا بصره قد شخص وهو يقول: ”الرفيق الأعلى من الجنَّة“، قلت: خُيِّرتَ فاخترتَ والذي بعثك بالحقِّ»(2) الزوجة الصالحة الفطنة اللبيبة دقيقة الملاحظة، تفهم إشارات زوجها، وتقوم بإصلاح شؤونه ولو لم يأمرها.
2) إسلام عمر وتأثُّره بالعاطفة الأخويَّة:
كان خباب بن الأرتِّ يختلف إلى أخت عمر وزوجها ليعلِّمهما، «فلمَّا دنا عمر سمع القراءة، فلمَّا أحسُّوا به، توارى خباب، وجعلت فاطمة لوحا يعلِّمهما فيه خبَّاب تحت فخذها، فسألهما عمَّا سمع، فأنكرا، فآل أمرهم إلى أن بطش بهما وشجَّ أخته، فرقَّ لها وندم لَمَّا رأى الدم، وقال لأخته: أعطيني الصحيفة؛ وكان قارئا، فخافته عليها، فحلف أن يردَّها إذا قرأها. وقالت: أنت نجس على شركك، ولا يمسُّها إلاَّ الطاهر، فاغتسل، فلمَّا قرأ صدرًا منها قال: ما أحسن هذا!»(3). في القصَّة عبر، منها: أنَّ خشونة الرجل (عمر) لا تتعارض مع عاطفته الجيَّاشة تجاه أهل بيته، ورحمته بهم، ويظهر ذلك من ندمه على ضرب أخته، وشجِّه إيَّاها. والعبرة الثانية في أمر فاطمة إيَّاه بالاغتسال، وبصرف النظر عن الحكم الشرعيِّ في المسألة، فإنَّ الوضوء - فقط- يطفئ نار الغضب، فكيف بالاغتسال، فضلا عن الاستعداد النفسيِّ الذي يهيِّئه للإقبال على كلام الله، وقبوله، والتأثُّر به. ولنتصوَّر الهواجس التي تنتابه وهو يقوم بهذا العمل، ويسير في هذا الدرب الجديد، فإنَّ في إزالة الدَّرن والأوساخ من الجسد، إشارة إلى إزالة الأوثان والشرك من المعتقَد.
3) اهتمام عمر برعاية الأُسَر:
قصَّة عمر مع الصِّبية الجوعى وقد أوهمتهم أمُّهم بطبخ الطعام. وفي قيامه رضي الله عنه بجلب المؤونة، وطبخه إيَّاها عِبرة لأولي الألباب، فقد كان رؤوفا رحيما بأمَّته. ومع ذلك تحمَّل ما تنزغ به المرأة فيه إذ «قام وهي تقول: جزاك الله خيرا، كنتَ أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين»، واكتفى بقوله: «قولي خيرا، إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله»(4).