الجانب الاجتماعي في سير الشماخي مصطفى بن محمد شريفي

الجانب الاجتماعي في سير الشماخي

الجزء ١ · صفحة ٢١

ومن مناقب عمر السعي في تحرير الإماء: «ومنها أنَّه اعتق أمهات الأولاد عن أربابها. بعدما اجتمعت الأمَّة أنَّهنَّ إماء على عهد النبيِّ عليه السلام وأبي بكر وعمر، ثمَّ بدا له رأي منه أن يعتقهنَّ على مواليهنَّ، فعوتب فقال: ما أردت إلاَّ خيرا، ألحقت حرمة بحرمة، أي: منع بيعها لا غير مدَّة حياة مولاها، ويجري عليها أحكام الإماء في غير ذلك»(1).

4) المحبَّة بين الزوجين، ومراعاة حقوق بعضهما:

من ذلك محبَّة الإمام جابر بن زيد لأسرته، فقد «خرج ابنٌ لجابر وهو قاعد على باب داره فقبَّله ومسح رأسه»(2)، ومع ذلك روي عنه أنَّه قال: «وما من نازل ينزل به أحبُّ إليَّ من الموت ينزل به وبإخوته ثمَّ ينزل بي ثمَّ بآمنة»، وقد يبدو لبادي الرأي تذمُّره منهم، إلاَّ أنَّ المدقِّق يفهم منها أنَّه لا يريد أن يبقى أولاده من بعده يقاسون ألم اليُتم. وتشير الرواية إلى حبِّه لامرأته آمنة، وأنَّه يتمنى أن يموت قبلها حتَّى لا يبقى يوما في الدنيا أعزب، وكان ما تمنى(3).

كان دأب أبي محمَّد التغرميني وزوجه أن لا ينزلا «عن فراشهما قطُّ إلاَّ وتحاللا لئلاَّ يبقى على أحدهما من حقوق الزوجيَّة شيء»(4). وهذه صورة رائعة من الورع ومراعاة حقوق الزوجين لبعضهما، ولا شكَّ أنَّ التحالل يقتضي الحوار، وربَّما حدَّة المناقشة أحيانا؛ وهذا ما تفتقده أجيال اليوم، إذ اتَّخذت الأجهزة الإلكترونيَّة (لاسيما النقال) بديلا عن الحوار الأسريِّ، بما أشدُّ على الزوجين من الضرائر!.

ومن شدَّة ورع أبي موسى الأتلجامي وكثرة تحفُّظه أنَّه «إذا أراد أن يحرث الأصل استأذن زوجه لكونه أصدقها بعضه ولم تقبضه بعدُ، وتقول: ياشيخ أولم أجعلك في حلٍّ بعد؟. ويقول لها: جزت اليوم على كرمتنا يافلانة محمرَّة بالتين وتقول: إلى متى يا شيخ؟ وقد جعلتك في حلٍّ؟ فيقول: خشيت تغيُّر قلبك»(5). وهذا الورع لا يكاد يقارن بما يقع بين الزوجين من هضم حقوق بعضهما، كأكل أموال بعضهما: ميراثا، أو شركة، أو صداقا، أو إقراضا … والطرف الأضعف هو الضحيَّة غالبا.

وذكر أنَّ طوست زوجة أبي عبد الله محمَّد بن تامر(6) أوصت ابنتها حين جهَّزتها أن تقتدي بها فقالت: « … ولم يرني والدك عابسة قطُّ، ولم تصدر منِّي كذبة قطُّ، إلاَّ مرَّة واحدة وهي أن قلت لأبيك وقد سألني:

(1) المصدر نفسه، ص26.

(2) المصدر نفسه، ص76.

(3) ينظر: المصدر نفسه، ص76.

(4) المصدر نفسه، ص250.

(5) المصدر نفسه، ص331 - 332.

(6) قال الشمَّاخي عن تامر: «روى بعضهم بامر بالباء الموحَّدة من أسفل أو بالتاء المثنَّاة من فوق التناوتي يسكن نفزاوة»، ص473.

٢٠ / ٦٤