الجانب الاجتماعي في سير الشماخي
الجزء ١ · صفحة ٢٤وفي القصَّة الموالية ما يؤكِّد رعاية الأسرة لابنهم رغم شدَّة الحصار، وخلاصتها أنَّ حمَّاد بن بلغين (ت: 419هـ) نزل على كدية مغراوة بجنود كثيرة، وحاصر المدينة مدَّة شهر، قال راوي القصَّة، وهو أبو عبد الله محمَّد بن الخير: «وكنت يومئذ صغيرا، وكانت محضرة الصبيان خارج القصر نخرج إليها ونتعلَّم ونرجع ولا يتعرَّض لنا أحد بسوء، وليس معنا من التمر إلاَّ زنبيل، فخاطه أبي ولم يترك فيه إلاَّ مدخل يدي، وكنت آخذ منه وحدي»(1)؛ نلاحظ أنَّ هذه الأسرة رغم قساوة الظرف أبت إلاَّ أن تخصَّ ابنهم بهذا التمر لوحده، أملاً في أن يعيش ويحيي أمر الدين. وفي خياطة هذا الزنبيل إلاَّ موضع يد الطفل الصغير تعليم له على الاقتصاد، وتدريب له على أن يأكل ما يجد، بلا تخيير أو تضييع.
رابعا) حضور المرأة في سير الشمَّاخي:
سير الشمَّاخي نموذج لحضور المرأة القويِّ في المشاهد التاريخيَّة الإباضيَّة، لا لإثارة الغرائز الشهوانيَّة، ولا لعرض العلاقات الدنيئة، كما نجده مبثوثا في عدَّة كتب من التاريخ الإسلامي، والأدب العربي، لاسيما في قصور ملوك بني أميَّة وبني العبَّاس، ومن سار في ركابهم، سواء في المشرق أم في الأندلس، وإنَّما يورد الشمَّاخي - كغيره من كُتَّاب التاريخ الإباضيِّ - مواقف مشرقة مشرِّفة بطوليَّة، سياسيًّا وفكريًّا واجتماعيًّا، غالبا، ومثال ذلك في الآتي:
هذا أبو عبيدة عبد الله بن القاسم أقام «بمكَّة وليست له امرأة، فقال له أصحابه: لو تزوَّجت! قال: ما أريد ذلك، فما زالوا به حتَّى أجاب، وهناك امرأة من المسلمين موسرة، وقالوا: لا تكلِّفك مؤونة، فقال: إذا أبيتم إلاَّ ذاك فابْلُغوا بمهرها مهر مثلها ولا تنقصوها شيئا، ففعلوا، فلمَّا تزوَّجها ودخل بها طابت له نفسا عن الصداق»(2). فالرجل أبى إلاَّ أن يعطى تلك المرأةَ ذاتَ الشأن مهرَ أمثالها، ويظهر أنَّه أغلى ممَّن دونها من النساء، وهذا من تمام ورعه، وحسن كرمه في أداء حقوق النساء، وإنزالهنَّ المنزلة المناسبة لهنَّ. وفي ذلك مراعاة حقوق المرأة التي يتشدَّق بها الغرب، ويفتري على الإسلام والمسلمين بأنَّه هضم حقوقها. وقد كانت تلك المرأة أيضا من نفس الطينة إذ تنازلت لزوجها عن مهرها.
وفي كلِّ ذلك قدوة وعبرة، في دورها الاجتماعيِّ.
ومن النساء المذكورات، آمنة زوج الإمام جابر، ووراء كلِّ رجل عظيم امرأة عظيمة، ففي المشاهد نلحظ المودَّة التي بينهما، وخدمتهما لبعضهما(3).