الجانب الاجتماعي في سير الشماخي مصطفى بن محمد شريفي

الجانب الاجتماعي في سير الشماخي

الجزء ١ · صفحة ٢٦

وإنَّما وضعت المشكلة أمام حساب الضمير، وضعتها أمام المحاسبة النفسيَّة التي لا يستطيع الإنسان أن يتملَّص منها، إنَّك تستطيع أن تتملَّص من جميع الناس بالحقِّ أو بالباطل، ولكنَّك لا تستطيع أن تهرب من ضميرك؛ ولذلك فقد قالت له: ”إن تقدَّمت فأنت في النار، وإن تأخَّرت فأنت في النار“. وأوضحت له مقصدها فقالت: إن تقدَّمت وأنت تعرف أنَّ في المسلمين من هو أكفأ منك، فأنت في النار، وإن تأخَّرت وأنت تعلم أنَّك أكفأ المسلمين، فأنت في النار»(1).

ومن النساء ذوات الشأن في التراث الإباضيِّ أخت عمروس بن فتح، التي كانت تُملي على أخيها مدوَّنة أبي غانم بشر بن غانم الخراساني حين مرَّ على جبل نفوسة واستودع عمروسا نسخة منها(2). ومن بركة هذه المرأة أن بقيت المدوَّنة محفوظة إلى اليوم.

ويذكر عن هذه المرأة أنَّها كانت «عالمة وحضرت وقعت مانو، فأُخذت أسيرة في عدَّة نساء، فخافت عليهنَّ الفساد من الفسَّاق، فأمرت أن تستخلف كلُّ واحدة على نفسها من يزوِّجها لمن أرادها بسوء»(3). وفي ذلك مراعاة لمقاصد الشرع، ومن باب ارتكاب أخفِّ الضررين.

«وكانت العجوز تبركانت جدَّة الشيوخ من عباد الله الصالحين، وإليها هربت البنت الصالحة البصيرة [أي الكفيفة البصر] حين ظهر حملها … »(4).

«وكانت أم سحنون اللالوتية من أفضل عجوز بالجبل وسار المشايخ لزيارتها … »(5).

وفي السير: أمُّ يحيى، التي تزوَّجت أبا ميمون، هذا الرجل العالم، والذي وصفه أبوه بأنَّه «قائم بأمر آخرته كسلان لأمر دنياه». وقد عملت على تسديد دَيْنِه بعرق جبينها. وأنَّها «كانت حزيمة لأمور الآخرة وأمور الدنيا … » وذكر «من كثرة حفظها أنَّها سمعت رجلا في طريق الحجِّ يُنشد قصيدة ثمانين بيتا فحفظتها كلَّها»(6). بل حفظت كتابا بكامله، ودعت الناس إلى استنساخه منها غيبًا(7).

لَمَّا ذهب عليُّ بن يعقوب إلى جبل نفوسة «مرَّ بقرية من قراها فيها عجوز يجتمع الناس إليها يسألونها عن

(1) المصدر نفسه.

(2) سير الشمَّاخي، ص228.

(3) المصدر نفسه، ص229.

(4) المصدر نفسه، ص295. وقصَّتها ذكرناها أدناه.

(5) المصدر نفسه، ص298.

(6) المصدر نفسه، ص233.

(7) ينظر: المصدر نفسه، ص235.

٢٥ / ٦٤