الجانب الاجتماعي في سير الشماخي
الجزء ١ · صفحة ٢٨ج- المرأة في مجالس التعلُّم والذكر:
كان لأبي سفيان قنبر مجلس يتكلَّم فيه بالقرآن عن الجنَّة والنار، وللنساء بيت خاصٌّ بهنَّ، وكان شديدا في الحقِّ. «وكانت امرأة من المسلمين من بني كلاب يقال لها أمُّ يحيى … كانت عظيمة الشأن، فبلغها أن مجلسا فيه قنبر، فأقبلت فدخلت البيت التي تكون فيه النساء، فاشتمَّ رائحة أنكرها، فحوَّل وجهه نحو النساء ثمَّ قال: تأتي إحداكنَّ إلى مجلس الذكر والقرآن والتخويف بهذا! فمن أراد منكن التطيُّب والزينة والفخر والحليَّ ففي غير مجالس المسلمين!!»(1)، فخرجت وسط النهار مع شدَّة الحرِّ، ولم تنتظر حتَّى تبرد الشمس، خجلا من الموقف.
وقال أبو سفيان محبوب بن الرحيل: «كنت أصلِّي بجماعة النساء في منزلنا وأنا إذ ذاك شابٌّ فجاءنا الربيع [بن حبيب] يوما من الأيَّام وجاء معه أبو طاهر فيمن جاء فقال لي أبو طاهر: يا محبوب إنَّك تحبس النساء وتطوِّل عليهنَّ .. »(2).
«ومن عادة نفوسة أن يجعلوا سترة على الصف الآخِر من المسجد، وذلك في جميع مساجدهم، يدخله النساء لسماع العلم وللصلاة، ليكون بينهنَّ وبين الرجال حجابا»(3).
«وكان [أبو حسان خيران بن ملال الفرسطائي] كثيرا ما يمكث عند أم الربيع الوريورية، وكانت سخية مأوى للأخيار وربَّما أقام زمانا من الدهر ويجعل للناس المجلس عندها»(4).
وكانت النسوة في جبل نفوسة يحرصن على حضور مجالس الذكر والعلم من مسافات بعيدة، فقد كان لأبي مسور يصلتين النفوسي الأدوناطي مجلس تحضره النساء من بعيد(5). وقيل: إنَّ نساء من أهل تدينت يحضرن مجلس أبي الشعثاء السنتوتي(6) «ليلا ومعهنَّ أولادهنَّ، فإذا تفرَّق المجلس رجعن إلى منازلهنَّ. وهذه كرامة له ولهنَّ لأنَّ المسافة أزيد من أربعة وعشرين ميلا»(7).
ومن طرائف مجالس الذكر التي يحضرها النسوة ما يأتي:
- أمُّ ماطوس منذ أن كانت بكرا، ورغم منع أخيها كانت تذهب إلى مجلس أبي محمَّد خصيب في جنح الظلام، وتأخذ مزراقا على هيئة الرجل. ولم تنقطع عن المجلس في تندوزيغ بعد زواجها في أميتون، وبينهما نحو عشرة أميال، بل حتَّى وهي مثقلة بالحمل، فقد ذهبت يومًا لحضور المجلس، «فولدت هناك بنتا [تحت شجرة التين](8)، فإذا أثقلت عليها قالت: ألستِ ولدتِ في المجلس؟ فتترك ذلك»(9).
- ومنها أنَّ النساء في مجلس أبي حسان خيران بن ملال الفرسطائي، كنَّ «يحملن الصوف ويعملنها، فنهاهن [عن] عمل شغل الدنيا في مجالس العلم، فتأخَّرن، فرخَّص لهنَّ رغبة في إتيانهنَّ»(10). ويبدو في هذا حرصهنَّ على استغلال أوقاتهنَّ فيما يفيدهنَّ ويفيد أُسرهنَّ، والجمع بين التعلُّم وبين المحافظة على حقوق أزواجهنَّ وأسرهنَّ.
- ومن طرائف تلك المجالس أيضا أنَّ عائشة بنت معاذ، «التي هي أحسن نساء آجلو، أخذت العلم عن الشيخ تبغورين بن عيسى، وكانت إذا قعد المجلس جاءت بحصير وتدوِّره على نفسها تستتر به، وتقعد في المجلس. وقالت: رأيت كثيرا من العلماءِ وأهلِ الخير، ولولا الشيخ أحمد بن أبي عبد الله لمت بالجهل»(11). وقد تجادل العلماء وتردُّ عليهم، وممَّا ذُكر عنها ما سَمَّوه: «مسائل الكليفة»(12).
د- انتشار العلم لدى الرستميَّات والنفوسيَّات:
أمَّا الرستميَّات فقد قال المؤلِّف: «وبيت الرستميِّين احتوى على علوم كثيرة، من فقه وإعراب ولغة وفصاحة وعلم نجوم. وعن بعضهم أنَّه قال: معاذ الله أن تكون عندنا أَمَة لا تعلم أين بات القمر. وقيل: إن عبد الوهَّاب بات مع أخت له يتعلَّمان مسائل الفرائض فلم يطلع عليهما الفجر إلاَّ وهما قد تعلَّماها جميعا»(13).
ومن ذلك ما نقله الشمَّاخي عن أبي زكرياء يحيى بن أبي بكر أنَّ الإمام أفلح بلغ «في علم الغبار والنجامة مبلغا عظيما، وقعد ليلة مع أخته فتذاكرا ما أوَّل ما يُذبح غدًا في السوق إن شاء الله، فقال أفلح: بقرة صفراء في بطنها عجل أغرُّ، قالت الأخت: ذلك البياض في طرف ذنبه، وكان الأمر كما قالا. والله اعلم»(14). وبصرف النظر عن صحَّة هذا العلم، أو القصَّة في حدِّ ذاتها، والتي أعقبها الشمَّاخي بقوله: «والله اعلم»، فإنَّها
(1) سير الشمَّاخي، ص93.
(2) المصدر نفسه، ص118.
(3) المصدر نفسه، ص536.
(4) المصدر نفسه، ص310.
(5) ينظر: المصدر نفسه، ص232.
(6) وصفه بأنه: «المعدود في المستجابين الدعاء الجامع بين العلم والعمل والورع». المصدر نفسه، ص246.
(7) المصدر نفسه، ص247.
(8) إضافة من سير البغطوري، فقرة: 231.
(9) سير الشمَّاخي، ص317. وينظر: سير البغطوري، الفقرات: 229 - 232.
(10) سير الشمَّاخي، ص309.
(11) المصدر نفسه، ص422.
(12) المصدر نفسه، ص423. وينظر: سير الوسياني، فقرة رقم: ث20/ 4.
(13) سير الشمَّاخي، ص162.
(14) المصدر نفسه، ص193.