الجانب الاجتماعي في سير الشماخي
الجزء ١ · صفحة ٢٩تدلُّ على المكانة المرموقة التي بلغها العلم في عهد الدولة الرستميَّة، سواء عند الرجال أم النساء، على حدٍّ سواء.
وأمَّا عن النفوسيَّات فقد كنَّ حريصات على التعلُّم، ولم يمنعهنَّ حياؤهنَّ، ومن ذلك: ابنة أبي مسور يصلتين النفوسي الأدوناطي تسأل أباها عن أمور دينها المتعلِّقة بالحيض فـ «قال: ألا تستحيين؟ قالت: أخشى إن استحييت منك أن يمقتني الله يوم القيامة، فانتبه الشيخ فقال: لا يمقتك الله يا بنيَّتي»(1).
وعن انتشار العلم في جبل نفوسة قال: «وذكر أنَّ بعض الأزمنة لا تحتاج فيه قرية إلى قرية للفتيا إلاَّ إجناون وويغو وتندميرة لا تحتاج دار إلى دار. وقالوا: اجتمع في إجناون سبعون عالما في أيَّام أبي عبيدة عبد الحميد من أهل ولايته. وذكر أن إماء نفوسة في تلك الأعصار إذا وردن أو خرجن إلى الحطب لا يرجعن حتَّى يتذاكرن جميع مسائل كتاب ماطوس»(2). ولا يخفى ما في بعض هذه الأخبار من بعض المبالغة، فمن المستبعد أن يكون دأب هذه الإماء مع مسائل كتاب ماطوس كدأب المهَرَة بالقرآن مع كتاب ربِّ العالمين، وهو الكتاب الوحيد الذي لا يخلق على كثرة الردِّ. والله أعلم.
3) المرأة والمال:
كانت لـ «جانا» في تنزغت وهو صاحب اللواء في وقعة مانو(3) «بناتٌ مشهورات في طرق الخير، حتَّى قيل فيهن بنات جانا في الإسلام في جبل نفوسة كالغرابيب البيض … وتقدَّم(4) أن المشايخ حين دخلوا على أبي القاسم زائرين قالت لهم إحدى بنات جانا ما قالت، وجمعوا ما جمعوا وجعلوه بيدها تنفقه على عمها [أبي القاسم سدرات بن الحسن البغطوري النفوسي](5) سرًّا لعلمهم بأنها غاية في ذلك»(6).
«وكان [أبو حسان خيران بن ملال الفرسطائي] كثيرا ما يمكث عند أم الربيع الوريورية، وكانت سخيَّة مأوى للأخيار، وربَّما أقام زمانا من الدهر، ويجعل للناس المجلس عندها. وأظلَّه عيد الأضحى مرَّة وهو عندها، وأرسلت إلى بيته بشاةٍ، وجمعت جميع ما يحتاج إليه في العيد فأرسلت به إلى بيته مع الشاة، وقد عوَّل أن يضحِّي عندها، وما عنده ما يذهب إليه، فقالت: بادر أهلك وولدك وكُلْ عندهم العيد، ولا علم عنده، فلمَّا
(1) المصدر نفسه، ص231.
(2) المصدر نفسه، ص545.
(3) ذكر في ص269 أن صاحب البند هو: شيبة الدجي.
(4) تقدَّم في المصدر نفسه، ص236.
(5) ينظر: المصدر نفسه، ص235.
(6) المصدر نفسه، ص267.