الجانب الاجتماعي في سير الشماخي
الجزء ١ · صفحة ٣٦نظرت لكلِّ خيمة رأيت كثرة جلود الشياه منشورة، وعليها لفائف القطن، من كثرة ما يذبح للأضياف»(1).
«ومنهم أبو جعفر أحمد بن خيران الوسياني [ … ] وعادته تأخير العَشاء إلى أن يصلِّي العتمة، فينادي في المسجد: لا يبيت ضيف دون عشاء، ثمَّ يفتِّش أركان المسجد وزواياه، فإن وجد طارقا وابن سبيل حمله وإلاَّ انصرف»(2). وذُكرت مثل هذه القصَّة عن سعيد بن يخلف المادغسني(3).
وفي عهد قريب من البدر الشمَّاخي كان الشيخ أبو زكريا الفرسطائي(4) «مأوى للمساكين وذوي الحاجات [ … ] لا يأتيه أحد ويصرف دون حاجة، وكان متواضعا، يغشاه الزائرون وذوو الحاجات والطلبة، فلا تراه أبدا إلاَّ منبسطا معهم، وقد اشتهر بذلك»(5).
ولم يكن التكافل محصورا على المسلمين فيما بينهم فحسب، بل كان يعمُّ غيرهم من المتساكنين، فقد ذكر الشمَّاخيُّ أنَّ أهل نفوسة كانوا يذهبون إلى البادية لجلب ما فيها ممَّا ليس في الحاضرة، وكان منهم أبو مهاصر موسى بن جعفر الإفطماني، الذي يقوم بقسمة ما يجلبه على الأقارب والجيران والفقراء والصبيان، ومن تجب صلته، وخصَّص نصيبا ليهوديٍّ(6).
2) الجود بالموجود وقت الشدَّة:
كانت عادة أبي مرداس مهاصر السدراتي الساكن بتبرست أن ينفق ماله على الضعفاء، «وكان يقعد على طريق رجوع الخدم ورواحهنَّ من الاحتطاب، فيعطيهنَّ قبضة قبضة من دقيق مبلول بماء يسمَّى الصميت، ويسمَّى أيضا بعرف بعض البلاد البسيسة حتَّى نفد ما عنده. ثمَّ صار إذا اشتدَّ الجدب وعظم البلاء أن يجمع حشائش الأرض ويطبخها ويرسل بها إلى من احتجب من النساء. فلمَّا يبست صار ينزل إلى ”تيج“ فيحمل القطف من السباخ، فلمَّا يبس بالقحط صار يحفر عروقه ويطبخها فينفقها»(7). فهذه الروح التي لدى الشيخ العالم أبي مهاصر ومن على شاكلته من أولئك العظماء، تنبئنا عن الدور الاجتماعي الذي يتميَّز به هؤلاء العلماء، فلم يكونوا من فقهاء الدعة والراحة والرخاء، ولا العكوف على الدفتر والقرطاس، ونسيان أوضاع الفقراء من الناس.
وممَّا رواه الشمَّاخيُّ أيضا عن البغطوريِّ أنَّ أبا مهاصر المذكور ذهب ليحرث على بقرة له، فمرَّ على أهل ”أكرين“ ورأى ما يعانيه الناس من القحط الشديد، فتصدَّق عليهم بالزريعة، وذبح بقرته فقسمها بينهم، وقسم الجلد فأخذ نصيبه بينهم، فلمَّا رجع قالت له زوجه: أين البقرة؟ وأين حَرثتَ؟ فقال: «حرثت حرثا استغنى عن المطر ولا تصيبه آفة!»(8). فهو يضع نصب عينه قوله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾(9).
3) صور من السخاء:
«ومنهم أبو يعقوب البغطوري، وفي السير(10): كان ورعا سخيَّ الكف. وفيها: أبدل باب داره ليتمكَّن من إدخال مزارق الأضياف لكثرتها»(11). وذكر نماذج من كرمه.
ومنهم سليمان بن علي بن يخلف بن يخلف جدُّ أبي العبَّاس الدرجيني، «قال أبو العبَّاس: كان ذا سخاءٍ ونزاهةِ نفسٍ وورعٍ [ … ] أمَّا سخاوته فما حدَّثني به والدي قال: كان أبي كثير المال بكنومة من عقار وناض، فلم يزل مبسوط اليد فيه حتَّى أنفده، ولم يُبقِ إلاَّ دويرة وبساتين، وكان في أثناء ذلك لا يعدم ناصحا يقول: أَبْقِ لأولادك بقيَّة، وجوابه: المتَّقي منهم لا يضيعه الله، والعاصي أنا أحقُّ بمالي منه»(12). وواصل في عادته من إكرام أضيافه وأضياف المسجد، رغم أنَّ حالته المادِّيَّة بدأت تنقص(13).
ومنهم ”الشيخ“(14) بن أبي عبد الله محمَّد بن الشيخ بن إبراهيم بن أبي يحيى (ت: 833هـ) قال عنه الشمَّاخي: «كان مشهورا في الخير، وباسط اليد، وله في ذلك أخبار مشهورة مذكورة، وله مسجد بناه في داخل داره، يجلس فيها ويغشاه الزائرون، واتَّخذ جفنة فملأها بالبسيس، فإذا نفد ملأها ثانيا، كذلك دأبه، فكلُّ من دخل عليه أَمَرَهُ أن يأكل، فمُكثرٌ ومُقِلٌّ وصائمٌ، واشتهر عنه ذلك، فكان الأعراب يغشونه جماعات لكثرة طمعهم وقوَّة شرههم. وتمادى بنوه على ذلك فهي إلى يومنا هذا»(15). والقائم بالدار والإطعام في أيَّام أبي العبَّاس الشمَّاخي هو حفيد المذكور: أبو حفص عمرو بن أبي محمَّد عبد الله بن الشيخ(16). وهكذا هي
(1) المصدر نفسه، ص374.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ص398.
(3) ينظر: المصدر نفسه، ص467 - 468. سير الوسياني، فقرة رقم: ث18/ 1.
(4) الفرسطائي من إضافتنا حسب ما سبق ذكره.
(5) سير الشمَّاخي، ص573.
(6) ينظر: المصدر نفسه، ص199.
(7) المصدر نفسه، ص172 - 173.
(8) المصدر نفسه، ص175.
(9) سورة الشورى: 36.
(10) يقصد سير البغطوري، ينظر: الفقرات رقم: 441 - 443.
(11) سير الشمَّاخي، ص330.
(12) المصدر نفسه، ص458.
(13) المصدر نفسه، ص458.
(14) اسمه الشخصي: «الشيخ»، فهو عَلَم وليس صفة.
(15) المصدر نفسه، ص568.
(16) ينظر: المصدر نفسه.