الجانب الاجتماعي في سير الشماخي مصطفى بن محمد شريفي

الجانب الاجتماعي في سير الشماخي

الجزء ١ · صفحة ٣٧

الذُّرِّيَّة الطيِّبة، بعضها من بعض. و «من سنَّ سنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة».

ونقل البدر الشمَّاخيُّ قصَّة واقعيَّة من شاهد عيان بطَلُها الشيخ أبو محمَّد عبد الله بن عبد الواحد الشمَّاخي، قال: «وحدَّثتني أخته قالت: وقعت شدَّة عظيمة، وأنا طفلة، فإذا سجى الليل وسكن الماشي، حمَّلني شيئا من الطعام، فيسبق أمامي إلى بعض الأرامل أو بعض القرَّاء، فيضرب على الباب وينصرف، ويوصيني أن لا أخبر من أكون. وأخباره كثيرة رحمة الله تركتها اختصارا»(1).

4) صور من مراعاة الظروف الاجتماعية وحقوق العباد:

لَمَّا برز أبو الخطَّاب عبد الأعلى بجنوده لتخليص القيروان من ظلم ورفجومة، «نادى مناديه من له أبوان كبيران أو واحدٌ، أو عروس جديدة فليرجع بليل»(2)؛ وذلك أسوة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بدر، وقوله لأحد الصحابة لَمَّا اسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ»؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ»(3). وفي الواقعة أيضا مراعاة حقوق الزوجين الحديثي الزواج؛ نظرا لِمَا يمكن أن يتركه فقدان الزوج من أثر عميق في نفس زوجه.

وفي نفس الوقعة مراعاة لحقوق العباد، إذ قال أبو الخطَّاب في خطبته: «أطمع لمن مات في هذه الغزوة الجنَّة، إلاَّ من فيه إحدى ثلاث خصال: قاتل نفس ظلما، وقاعد على فراش حرام، ومن في يده أرض مغصوبة»(4)، وهو في ذلك مؤتسٍ برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد روى الإمام الربيع بن حبيب أنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ، أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فلمَّا أَدْبَرَ الرَّجُلُ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فنُودِيَ لَهُ، فَقَالَ: «كَيْفَ قُلْتَ»؟ فَأَعَادَ قَوْلَهُ، فَقَالَ: «نَعَمْ، إلاَّ الدَّيْنَ، كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ»(5). ونحو هذه الخطبة وردت عن أبي مهاصر مرداس، عندما صحب أيُّوب بنَ العبَّاس لقتال خلف بن السمح(6).

ومن ذلك ما ذكر عن أبي مهاصر موسى بن جعفر الإفطماني، أنَّه فطن بامرأة حملت من دون زوج، وأنَّها أوت إلى خربة لتضع مولودها، وربَّما لتتخلَّص منه، فما كان منه إلاَّ أن هيَّأ لها ما تحتاج إليه النفساء وأنقذ

(1) المصدر نفسه، ص572.

(2) المصدر نفسه، ص127.

(3) البخاري: كتاب الجهاد والسير، بَاب الْجِهَادِ بِإِذْنِ الأَبَوَيْنِ، رقم: 2842، 3/ 1094.

(4) سير الشمَّاخي، ص128.

(5) الربيع: كِتَاب الْجِهَادِ، بَابٌ فِي فَضْل الشَّهَادَةِ، حديث رقم: 457، ص185. ورواه مسلم في كتاب الإمارة، بَاب مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُفِّرَتْ خَطَايَاهُ إلاَّ الدَّيْنَ، رقم: 1885، 3/ 1501.

(6) ينظر: سير الشمَّاخي، ص173 - 174، 186، 197.

٣٥ / ٦٤