الجانب الاجتماعي في سير الشماخي مصطفى بن محمد شريفي

الجانب الاجتماعي في سير الشماخي

الجزء ١ · صفحة ٣٩

الصبيَّ(1). وذُكر مثل ذلك عن أبي يحيى يوسف بن أبي محمَّد ملي الإيدرفي(2). ومثلها عن بنت عمياء من أهل تاغرويت غُلبت على نفسها فحملت وخافت من أخيها فهربت حتَّى أتت العجوز الصالحة جدَّة الشيوخ ”تبركانت السدراتيَّة“ فولدت عندها غلاما، وانتهت قصَّتها نهاية مأساويَّة على يد أخيها(3). وفي هذه القصص عِبَر، فليس التديُّن تعدِّيا على روح بريئة بجريرة ما فعل الأبوان، ولا إقصاءً لمن زلَّت قدمه في زمن من الأزمان، وليست الدعوة أن نكون عونا للشيطان على أخيك الإنسان.

ومن الروايات التي ساقها الشمَّاخيُّ قصَّة النسوة الثلاث اللائي سألن الله أمنيات حقَّقها الله(4)، ومنهنَّ منزو بنت أبي عثمان الدجي المزاتي، التي تمنَّت أن يرزقها الله رجلا شرس الطباع، لتنال أجر الصابرين، فاستجاب الله دعاءها. وذكر المؤرِّخ صورا من طغيان هذا الزوج، وكيف كانت تصبر على هذا البلاء، حتَّى أتى الفرج من الله تعالى، بأن انتقم من الطاغية شرَّ انتقام(5). وبصرف النظر عن دقَّة تفاصيل هذه القصص، فإنَّ فيها عبرًا للمعتبرين، ومضرب أمثال للتفريج عن الصابرين، وعاقبة الطغاة المتجبِّرين، الهاضمين حقوق الآخَرين. وذكر المؤلِّف مثلها عن مكنا التي تزوَّجت رجلا سيِّئا من أهل تيري(6).

5) بذل المال لنصرة الدين:

كان أبو مودود حاجب الطائي في عهد الإمام أبي عبيدة مسلم يتولَّى جمع الأموال من الأغنياء، لإعانة أبي حمزة الشاري، وعبد الله بن يحيى طالب الحقِّ، كما قال البدر: «وكانوا يجمعون الأموال يبعثون بها إلى المغرب والمشرق من اليمن وتيهرت لإقامة دين الله، وكان الذي يتولَّى ذلك في أيَّام أبي عبيدة حاجبا»(7).

وكان حاجب هو الذي يعيِّن المقدار الذي يتبرَّع به المحسنون بحسب ما يراه من حالهم من اليسار، فلم يعترض عليه أحد، «ودعا أبا طاهر - وكان شيخا فاضلا - وقال له: عليك بالنساء وأوساط الناس فإنَّا نكره أن نكتب عليهم ما لا يحملون، فانطلق أبو طاهر فيمن انطلق معه من المسلمين، فلم يأتوا امرأة ولا رجلا إلاَّ وجدوه مسارعا فيما سألوه. وكان رجل من المسلمين لم يُرَ أنَّه صاحب مال، فدفع إليهم ثلاثة آلاف درهم، فقال له أبو طاهر: أي أخي، العيال! قال: الله لهم، والله ما رأيت مذ كنت وجها مثل هذا أنفق فيه فإذْ وجدته أفأدعه؟ والله لا يرجع إليَّ منها درهم، ولكن عهد الله لا تخبرْ باسمي ما بقيتُ، ففعلوا فلم يُمْسِ الليلُ حتَّى جمع أبو طاهر عشرة آلاف درهم. فأخبروا حاجبا فسُرَّ بذلك فقال: إن في الناس لبقيَّة!»(8).

ونقل الشمَّاخيُّ عن الدرجيني، متحدِّثا عن أبي نوح سعيد بن يخلف المزاتي أنَّه «أكثر من اقتناء الخيل لِمَا يأمله من الخير في نصرة الدين ومدافعة المعتدين»(9). فأمله أن يستردَّ الكنز المفقود، من الإمامة في سالف العهود.

ونفس العزيمة والنيَّة - الإعداد لإمامة الظهور - كانت عند أبي باديس أبحت بن باديس، في زمن المعزِّ بن باديس، صاحب إفريقيَّة، فقد كان له «مال كثير، وعنده رعايل خيل فيها تسعون فرسا قد أعدَّها للظهور»(10).

6) بذل المال والنفس في سبل العلم، في الرخاء والشدَّة:

طوبى لمن جمع الله له بين العلم والمال، فينفع العباد من فضليْه: الفكريِّ والمادِّيِّ.

ومنهم أبو يعقوب من أهل أتِلجَام كان عالما غنيًّا، يمكث عنده أبو عبيدة جلدين البغطوري شهرا في بعض الأوقات هو وأصحابه(11).

ونحو هذه الرواية ذُكرت عن «أبي محمَّد عبيدة بن أفلح اليجلاني، وكان عالما سخيًّا، قيل: تعلَّم العلم في بيته لكثرة من يغشاه من المشايخ ويقيمون عنده، وربَّما مكث عنده بعضهم أربعة أشهر أو ستَّة، وكان يكثر الإقامة عنده أبو عبد الله بن جلداسن اللالوتي، وكان يطعمهم من خالص ماله»(12).

وذُكر نحوها أيضا عن الشيخ التقيِّ العالم السخيِّ الفاضل أبي عليٍّ النفوسيِّ من فساطو، «وكان كهفا للأبرار، ومأوى للأخيار، وربَّما مكثت عنده المشايخ زمانا من الدهر، خصوصا أبا الخير الزواغي. وفي السير: يذبح كلَّ يوم شاة للأضياف، فكلَّمه المشايخ أن يترك ذلك فشاور أبا الخير فقال له: زد الخير يا أبا علي، فصار يذبح شاتين كلَّ يوم(13). ومن غيره: وقعت شدَّة فنزل بعض المشايخ على الشيخ أبي عليٍّ وكان كثير

(1) ينظر: المصدر نفسه، ص201.

(2) ينظر: المصدر نفسه، ص287.

(3) ينظر: المصدر نفسه، ص295.

(4) نلاحظ أنَّ كلَّ تلك الأماني كانت متعلِّقة بصلاح الآخرة، وبما يرفع الدرجات فيها، ولو على حساب الدعة والراحة في هذه الدنيا الفانية.

(5) ينظر: المصدر نفسه، ص206 - 208. سير الوسياني، فقرة: ث2/ 6.

(6) ينظر: سير الشمَّاخي، ص238.

(7) المصدر نفسه، ص114.

(8) المصدر نفسه، ص114 - 115. وهذا يجرُّنا إلى ذكر نفس الطريقة التي اتبعها فضيلة الشيخ عدُّون (سعيد شريفي) في جمع التبرعات للمشاريع الخيرية، ولجمعية الحياة بالقرارة - على ما ذُكر لنا - بأن كان يحدِّد للمتبرِّع ما يراه، وفي الغالب يجد الاستجابة الطواعية والزيادة.

(9) سير الشمَّاخي، ص374. الدرجيني: طبقات، 2/ 367.

(10) سير الشمَّاخي، ص383.

(11) المصدر نفسه، ص331.

(12) المصدر نفسه، ص335. وينظر: سير البغطوري، فقرة رقم: 612.

(13) سير البغطوري، فقرة رقم: 615.

٣٦ / ٦٤