الجانب الاجتماعي في سير الشماخي مصطفى بن محمد شريفي

الجانب الاجتماعي في سير الشماخي

الجزء ١ · صفحة ٤٢

الفترات أن يعقدوا حلقة لطلبة العلم في عهد أبي عبد الله محمَّد بن بكر(1)، نظرا لمؤونتها المكلِّفة في الجانبين: المادِّيِّ والبشريِّ. وقد يقع الإعلان والتحريض في المسجد للتكفُّل بالطلبة، كما فعل الشيخ أيُّوب الجطالي لَمَّا جاءه طلبة غرباء، فنادى في المسجد: من يخدمهم؟ فقال بعض الأغنياء: أنا أخدم واحدا، فما زال يستزيد حتَّى بلغ عددُ الذين تكفَّل بهم سبعة طلبة، بالإضافة إلى من عنده من يتامى يربِّيهم ويقريهم(2).

وكان أبو زكريا فصيل بن أبي مسور اليهراسني يوصي أهله وحشمه بالاهتمام التامِّ بمصالح الطلبة، وعلى كلِّ من جاورهم أن لا يهتمَّ بحوائج غيرهم، ويوضِّح لهم ذلك بمثال محسوس، إذ يقول: «موضع التلاميذ كشجرة الخروب [ … ] كما أنَّ شجرة الخروب لا ينبت حولها إلاَّ ما قلَّ من الأشجار [ … ] وكان يجعل الدراهم في القراطيس والصرر ثمَّ يعلقها في ألواح التلاميذ، وربَّما جعلها في أوعية دفاتيرهم، وبينهم وبين ثيابهم رغبة في كتمان الصدقة، فلمَّا مات فقدوا ذلك»(3).

«ومنهم الشيخ الفاضل السخيُّ العالم العلامة أبو عبيدة وشق، قال أبو نوح: إنَّ بالبادية بإفريقيَّة اثنين وثلاثين عالما من شيوخ أهل الدعوة تكفَّلوا بنوائب الحلقة وبحوائج الطلبة، فيه الشيخ وشق، فمن مات منهم قام الباقون مقامه، حتَّى لم يبق إلاَّ الشيخ وشق، يكنَّى أبا عبيدة، فقام بنوائبها من الكسوة والطعام والإقراء والتعليم، فدارت سنة قحط وشدَّة وجدب، فافترق الناس يطلبون الخصب، فأرادت التلاميذ ذلك فمَنَعَهم»، واستمرَّ في تعليمهم وإطعامهم حتَّى نفد كلُّ ما عنده، إلى يوم وفاته(4).

ومنهم أبو باديس أبحت بن زيدان (أو ابن باديس) اليكشني، وكان غنيًّا، زاره العزَّابة «فقام بهم وأحسن إنزالهم فدفع لهم ثلاثمائة بقرة طروقة الفحل كلها»(5).

«ومنهم أبو عبد الله محمَّد بن سليمان النفوسي رحمه الله كان ممَّن وسَّع الله عليه في كثرة العلم والمال والتقى وسماحة النفس وسخاوة القلب كانت عنده كثرة التلاميذ يعلِّمهم ويطعمهم ويكسيهم من خالص ماله؛ فإذا أقبل الشتاء اشترى لهم أكسية جديدة فيها دفء، وإذا أقبل الصيف اشترى لهم ما يخفُّ وادَّخر الأخرى،

(1) ينظر: المصدر نفسه، ص472. ذكر الشماخي أنَّه مرَّ بأبي صالح جنون بن يمريان، ولكن يبدو أن مروره كان بعد وفاة أبي صالح جنون، فإنَّ أبا عبد الله محمَّد بن بكر أنشأ حلقة العزَّابة سنة 409هـ، وأمَّا أبو صالح جنون فقد عاش في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع، وبين التاريخين بُعدٌ. ورجَّحنا عهد أبي عبد الله، نظرا لأن ترتيبات أبي عبد الله لإطعام الحلقة وإيوائها كانت على عاتق أهل البلد، بالإضافة إلى المراسلات التي كانت بينه وبين أبي موسى هارون بن أبي عمران موسى بن سدرين.

(2) ينظر: المصدر نفسه، ص563. يمكن أن نقرأ: «ويقرئهم» (بالهمزة) أي: يدرِّسهم. أو «يقريهم» (بالياء) من القِرى، أي: يكرم ضيافتهم.

(3) المصدر نفسه، ص371 - 372.

(4) المصدر نفسه، ص381 - 382.

(5) المصدر نفسه، ص382.

٣٨ / ٦٤