الجانب الاجتماعي في سير الشماخي مصطفى بن محمد شريفي

الجانب الاجتماعي في سير الشماخي

الجزء ١ · صفحة ٤٣

وربَّما باعها بالثمن الذي اشتراها به»(1).

ومنهم أبو يحيى زكريا بن إبراهيم بن زكريا بن أبي هارون الباروني، كان له ما يقرب من ثمانين طالبا، ينفق عليهم من ماله الخاصِّ، حتَّى حلَّت بهم سنة شديدة بسبب جدب وبلاء، فأراد طلبته أن يفترقوا، فلمَّا بلغه ما اجتمعوا عليه أطْلَع بعضهم على ما عنده من مال كثير جمعه لمثل هذه الشدائد، وقال لهم: «لم أجمعه إلاَّ لأنفقه عليكم في المسغبة، ولا آذن لأحد أن ينصرف إلاَّ لحاجة، فأقاموا، فأخذ ينفق عليهم حتَّى زال القحط»(2).

«ومنهم أبو سليمان أيُّوب بن إسماعيل [ … ] كان كثير الإبرار لتلاميذه وكان له داران بوارجلان بينهما طريق فوقها ساباط، اتَّخذ إحداهما لسكناه والأخرى لتلاميذه، وتُغلَق إذا لم يُحتج إليها [ … ] فكلَّما أراد أن يكرم به التلاميذ أو الأضياف أوتي به من أعلى الساباط»(3).

«ومنهم أبو محمَّد عبد الله بن يحيى بن عيسى العبَّاسي، كان عالما سخيًّا ممَّن يؤثر على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة»، فقد كان يعطي أضيافه لاسيما من العزَّابة أفضل التمر والطعام، بينما هو يأكل الحشف والماء، فلمَّا سئل «قال: من أكل خيار ماله أكل دم وجهه، وذلك مُدَّخَر لأمثالكم، والذي بين يديَّ مع العافية لخير كثير، يعني الحشف والماء»(4).

وغرس بنو ورتيزلن خمسمائة فسيلة لأبي عبد الله محمَّد بن بكر في تين يسلي، فصلحت كلُّها، وأثمرت غلالا وافرة(5). ومن المعلوم أنَّ أبا عبد الله كان مشتغلا بالحلقة والتلاميذ، وهيكلتها، وإدارتها، وتنظيمها، فكان المجتمع يقابل هذه المبرة بمرَّات الإنفاق وبذل المال والجهد المادِّيِّ والمعنويِّ لأجل هذه المهمَّة النبويَّة النبيلة.

7) تفاوت الوضع الاجتماعي والغاية واحدة:

نلاحظ تفاوت الوضع الاجتماعي لدى أهل نفوسة - في بعض الأزمنة - والكلُّ غايته الآخرة، فهذا مهدي النفوسي زاهد، يرى أنَّ ابن خالته فرجًا شغلته الدنيا حتَّى كاد يهلك آخرته، بينما هذا يرى أنَّ مهديًّا اشتغل بآخرته فضاعت دنياه فيُخشى عليه ضياع آخرته. فلمَّا قدِمَ الإمام عبد الوهَّاب بوفده إلى جبل نفوسة فضَّل أن ينزل عند فرج، إذ وجد لديه ما لم يجده لدى مهدي، «وتعجَّب الناس من كثرة الكوانين لأنَّ الثياب

(1) المصدر نفسه، ص406 - 407.

(2) المصدر نفسه، ص547.

(3) المصدر نفسه، ص435.

(4) المصدر نفسه، ص451. طبقات الدرجيني، 2/ 507.

(5) ينظر: سير الشمَّاخي، ص422.

٣٩ / ٦٤