الجانب الاجتماعي في سير الشماخي
الجزء ١ · صفحة ٤٤والأطعمة ممَّا يُدَّخر للتجارة وأمَّا الكوانين فليس لدخرها»(1).
وهذا أبو الخطَّاب وسيل بن سنتين الزواغي وصنوه أبو أيُّوب «أبصرا ليلة القدر، فاجتهد أبو الخطَّاب في الدعاء لأمر آخرته وأبو أيُّوب يدعو أن يصيب دنيا سببا للجنَّة»، فأغناه الله، وبسط يده للوارد والصادر(2).
«وقيل لَمَّا كان [أبو نوح سعيد بن زنغيل] بوارجلان علموا أنَّه قام على رغد العيش ولينه وطعام الملوك، فالتمسوا طبَّاخا يصلح لطعامه، فلم يجدوا إلاَّ امرأة من بني أمِّ جعفر فكان الشيخ يدعو لها بالبركة، فظهر ذلك فيها وفي ذريتها»(3). وقد شوهد أبو نوح وهو يمتطي جوادا بسرج محلًّى بالذهب، «وكان له عشرون جملا محلاَّة بالخلاخل يسافر بها إلى القيروان»(4). وفي ذلك إظهار لعزَّة المسلم التقيِّ، الذي جعل الدنيا في خدمة الدين، لا العكس.
8) الإدلال بين المتحابِّين:
«وذكر أنَّ أبا القاسم يونس بن أبي زكريا [فصيل بن أبي مسور] وأبا نوح صالح التجمي قدما على أبي محمَّد عبد الله بن مانوج زائرين، فلمَّا أدَّيا حقَّ الزيارة وانفصلا راجعين مرَّا بشجرة تفَّاح لأبي محمَّد قال أبو نوح: ألم تراها يايونس حمراء؟ فنزل أبو القاسم ونزع ما في رجله، وأظهر أثره خشية أن يظنَّ غيرَه، ثمَّ اجتنى على وجه الدالة ما فيه كفاية، وأعطى لأبي نوح فردَّ بعضه. وجاء أبو محمَّد فعرف الأثر وسُرَّ بما فعل»(5).
ومن صور التعامل بالمحبَّة والإدلال، وبروح الأبوَّة الحانية والبنوَّة البارَّة بين التلميذ وأستاذه، هذه الصورة بين أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني وتلاميذه، فقد «كان من عادته إذا أتى المسجد وأراد الوضوء انصرف كلُّ مَن حولَ المتوضَّأ، فيضع الكتابَ والمفتاحَ والعمامةَ والكساءَ حتَّى لا يبقى إلاَّ في ثوب واحد، فيأخذ كلُّ الطلبة حاجَةً [ … ] فإذا أتمَّ وضوءه وخرج من المطهرة قال: رُدُّوا عليَّ أعلاقي، فيسأل كلُّ واحد عن مسألته فيردُّ ما أخذ بعد أن يجيبه، فهكذا فعله حتَّى لقي ربَّه»(6). هذه صورة رائعة تنمُّ عن بساطة التعامل بين الشيخ وتلاميذه، وعن روح الدعابة، والتي تجعل من طلب العلم متعة.
(1) المصدر نفسه، ص171.
(2) المصدر نفسه، ص283 - 284.
(3) المصدر نفسه، ص360 - 361.
(4) المصدر نفسه، ص347 - 348.
(5) المصدر نفسه، ص394.
(6) المصدر نفسه، ص443. وينظر: طبقات الدرجيني، 2/ 492.