الجانب الاجتماعي في سير الشماخي مصطفى بن محمد شريفي

الجانب الاجتماعي في سير الشماخي

الجزء ١ · صفحة ٤٥

سادسا) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء:

إنَّ خيريَّة المجتمع نتيجةٌ للاهتمام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولحكمة بالغة قدَّم الله تعالى هذه الصفة في حقِّ الأمَّة على صفة الإيمان بالله فقال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾(1). وسنعرض فيما يأتي صورا رائعة من أعمال أعلام سبَّلوا أنفسهم لهذه المهمَّة العظيمة لأجل إصلاح المجتمع، سواء أكانوا متطوِّعين أم مكلَّفين من جهات ”رسميَّة“.

1) الحسبة التطوُّعية:

كان أبو صالح بكر بن قاسم اليراسني (ت: 431هـ) يقوم بدور المحتسب، ومن شدَّته على العصاة والعُتاة أن كانت له «خشبة عظيمة فيها حِلَقٌ وسلاسل، يجعل الجاني في حلقة منها ثمَّ يقلبها على ظهره لئلاَّ يهرب، فكانوا يصيحون بالليل صياح التيوس من شدَّة الحرِّ أو البرد، ثمَّ انتقل إلى جربة حين كثرت الزلازل واضطربت نيران الفتنة، وعمد إلى الخشبة وآلاتها فرمى بها في بئر [ … ] وإنَّما اتَّخذ ذلك ليصرفه في الوجه الذي أراده، فإن تخلَّى من ذلك فلا ينبغي أن ينتفع به في غيره»(2).

وكانت السلطة الروحيَّة لمشايخ جربة - ومنهم أبو صالح اليراسني المذكور - ممتدَّة إلى جبل دمَّر، وبمجرَّد توقُّفهم عن هذا الدور بسبب الشدَّة والقحط استولى النُّكَّار من مستاوة «على جبل دمَّر بحلقة وجماعة يطوفون، فخرج [أبو صالح] من جربة وكابد صعود الجبال وكان [ابنه] أبو محمَّد يردفه من خلفه كلَّما أراد الصعود، فلمَّا بلغ إلى رئيسهم زيري بن كملين فلامه على ما سمع وعاتبه قال: إنَّ عذرنا بيِّنٌ: المرأة إذا لم يغْشَها زوجها ابتغت السفاح! وأنتم إذا لم تأتونا أتتنا مستاوة»(3).

وكان من عادة أبي حسان خيران بن ملال الفرسطائي «التنقُّل في المنازل لإحياء الدين، وتقوية الضعفاء، وتعليم الجهَّال، وتنبيه الغفَّال، وربَّما مكث في ذلك زمانا لا يرجع إلى أهله .... وكان كثيرا ما يمكث عند أمِّ الربيع الوريوريَّة، وكانت سخيةَّ، مأوى للأخيار، وربَّما أقام زمانا من الدهر، ويجعل للناس المجلس عندها»(4).

ومثله أبو النجاة يونس التملوشايتي، وكان عالما ورعا له حلقة، «يطوف بطلبته في جبل نفوسة غاديا ورائحا يذكِّر ويعظ، ويأمر وينهى»، وقد يبقى عدَّة أعوام خارج بلده، وكان الناس - شريفهم ووضيعهم -

(1) سورة آل عمران: 110.

(2) سير الشمَّاخي، ص367.

(3) المصدر نفسه، ص368.

(4) المصدر نفسه، ص309 - 310.

٤١ / ٦٤