الجانب الاجتماعي في سير الشماخي مصطفى بن محمد شريفي

الجانب الاجتماعي في سير الشماخي

الجزء ١ · صفحة ٤٦

يرجعون إليه لفصل الخصومات، فيعطي لذي الحقِّ حقَّه، ولو على حساب القويِّ(1).

ولأبي عبد الله محمَّد بن بكر نشاط كبير في بلاد أريغ، إلاَّ أنَّه لَمَّا طغى بنو ورماز وأكثروا من الفساد وقطع الطرق، اجتمع بجماعة أهل أريغ فوعظهم وذكَّرهم على عادته في مجالسه، ثمَّ ذَكَر لهم ضرر بني ورماز بالسالكين والمستضعفين، فأجاب قائلهم بأن لا طاقة لنا، فارتحل عنهم الشيخ بأهله، ونزل بفران من قرى وارجلان، فأقام بها عاما، فضاعت أحوال أريغ لفقدانهم من يُصلح أحوالهم وفسادهم، فاجتمعوا وألحُّوا عليه في الرجوع، فقال: «أَصِرْتُ فيكم كالفريسة يعتادها السباع من كلِّ مكان، يقصدني العزَّابة من الأفق من طرابلس وإفريقيَّة والزاب وقصطالية وغيرها فيُقتَلون بنواحي أريغ؟! وعدَّ عليهم أشياء قبيحة، وأيسوا من رجوعه فرجعوا واجتهدوا في وجوه الصلاح، وتعاونوا على البرِّ والتقوى، وتجنبوا الإثم والعدوان، وقمعوا الطغاة، فأتوه ثانيا ورغبوه في الرجوع فرجع»(2). وفي هذا النصِّ ما يدلُّ على حرص أبي عبد الله على أمن وسلامة التلامذة الذين يأتونه من الآفاق البعيدة المتعدِّدة. وفيه حرصه على أن يؤدِّب أهل أريغ على تفريطهم في حلقة أبي عبد الله، وأن يعلِّمهم كيف يعتمدون على أنفسهم في إصلاح ما بأنفسهم، وردِّ المعتدين والمفسدين.

ومن الأدوار التي كان يقوم بها من يتطوَّع للاحتساب: مراقبة الأسواق، وكان «منهم أبو يوسف وجدليش بن في، كان عالما وعاملا وآمرا وناهيا شديد الشكيمة في حق الله ليِّن العريكة في حقِّ نفسه [ … ] وكان أمر سوق جادو إليه، يأذن لمن يشاء أن يبيع، ويمنع من في ماله شبهة وفي عسرة، أحدثوا ذلك لدخول الريبة وطن طرابلس»(3).

واضطلع بهذا الدور الشيخ أبو طاهر إسماعيل الجيطالي، «وكان يكثر على الناس التذكير والأمر والنهي، حتَّى يأتي الأسواق ويوعظ، وطعن الحاسدون فيه وقالوا: عَلَّمَ السُّوقَة مسائل الغشِّ، يعنون أنَّه ينهاهم عنها فتعلَّموها»(4).

ومن أعمالهم: إصلاح ذات البين، وقد مرَّ سابقا عمل أبي عبد الله محمَّد بن علي السوفي في إطفاء فتنة درجين السفلى(5).

ومنهم زكريا بن أبي نوح بن يوسف من ذرِّيَّة أبي عبد الله محمَّد بن بكر، رحمه الله اقتدى بأبيه في جميع أحواله [ … ] انتقل من تين يسلى إلى أوغلانت فعظَّموه وأكرموه ووهبوا له أنواع المواهب من مركوب

(1) ينظر: المصدر نفسه، ص555 - 556.

(2) المصدر نفسه، ص388 - 389.

(3) المصدر نفسه، ص333 - 334.

(4) المصدر نفسه، ص558.

(5) ينظر: المصدر نفسه، ص447 - 448. طبقات الدرجيني، 2/ 499 - 501.

٤٢ / ٦٤