الجانب الاجتماعي في سير الشماخي مصطفى بن محمد شريفي

الجانب الاجتماعي في سير الشماخي

الجزء ١ · صفحة ٤٧

ومكسوب وجنَّات وعيون، وكان فيها بحلقة وطلبة، وكان من عادته إذا سمع في أريغ بفعلة شنيعة تحوَّل إليها بحلقته وطلبته، فيصلح ما فسد، وإن استحقَّت جيشا سار به، أو عسكرا قويًّا أو ضعيفا، ومن استحقَّ السجن سجنه، أو القتل قتله، أو الأدب والنكال أدَّبه»(1).

وكان بإجناون عالم فاجر ولولا أن ”الشيخ“ بن إبراهيم بن أبي يحيى «قمعه لأفسد كثيرا من أحكام الناس»(2).

ومنهم يوسف بن ونمو، ومن شجاعته أن «صادف يوما أعوان السلطان أخذوا امرأة فقال: في أيِّ شيء أخذتموها؟ قالوا: في كذا وكذا، قال: خذوه وأطلِقوها! فأبوا، فصاحت: يا للمسلمين! فأخذ سلاحه فحال بينهم وبينها، فقال أصحابه: بئس ما فعلت بنا!. ولم يكن إلاَّ هنيهة فإذا بأصحاب السلطان مقبلون قالوا: أجب السلطان! فلمَّا بلغه قال: ما حملك على ما فعلت؟ قال صاحت: يا للمسلمين! وقد طلبْتُهُم أن يأخذوا ما مُسِكَت فيه فأبوا، وقصَّ عليه القصَّة، فكفَّ الله عنه شرَّه، فقال للعبيد: انصرفوا ما قامت السماوات إلاَّ بمثل هذا»(3).

وبقي الشيخ إسماعيل الجيطالي في فرسطاء تسعة أعوام، ولم يتوان عن الأمر والنهي، وذات مرَّة سمع بوجود الخمر عند بعضهم، فلمَّا أن أراد أن يغيِّر هذا المنكر قام إليه بعض الأعراب بإيعاز من ذلك المتهوم، فمنعوه، فأراد الشيخ إسماعيل الارتحال من هذه المدينة «فتعلَّق به الناس، فقال: لا أقيم ببلد لا أقيمُ فيه الحقَّ ولا آمرُ ولا أَنهى»(4).

وقد منح الله هؤلاء الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر هيبة وإن لم تكن لهم سلطة سياسيَّة تساندهم، فقد كان الشيخ عليُّ بن عامر الشمَّاخيُّ (والد الشيخ عامر صاحب الإيضاح) مشهورا بالصلاح «يهابه كلُّ مخالف وموافق، وكان يعدِّي القوافل من اللصوص والمحاربين، وإذا أبصروه مع عير رجعوا هيبةً»(5). رحمهم الله ورضي عنهم.

والملاحظ في هؤلاء الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أمران:

- أنهم لم يكونوا في عصور الإمامة، ولا تابعين لحُكمٍ أو حاكم، أو معيَّنين من قِبل دولة من الدول، بل كانوا متطوِّعين، محتسبين الأجرَ من الله، ولا يخافون فيه لومة لائم.

(1) سير الشمَّاخي، ص452 - 453. وينظر: طبقات الدرجيني، 2/ 510.

(2) سير الشمَّاخي، ص555.

(3) المصدر نفسه، ص465.

(4) المصدر نفسه، ص558.

(5) المصدر نفسه، ص561.

٤٣ / ٦٤