الجانب الاجتماعي في سير الشماخي
الجزء ١ · صفحة ٤٨- أنَّهم قد يتعرَّضون إلى الأذى، وقد يصل الأمر إلى قتلهم، فقد «قُتل عبد الحميد(1)، ورُجم ماكسن لأمره بالمعروف»(2). وقد عُصم بعض الشيوخ من أذى بعض المعتدين بسبب أداء واجب الأمر والنهي في سبيل الله(3).
2) القاضي الصغير:
من حسن تدبير أهل وغلانت أن قدَّموا قاضيا صغير السنِّ اسمه: أبو محمَّد عبد الله بن يعقوب بن هارون الواغلاني، ولَمَّا زارهم مشايخ طرابلس عاتبوهم على تقليدهم لهذا الفتى هذه المسؤولية العظيمة، فـ «ـقال لهم مشايخ وغلانت: آجركم الله في نظركم للإسلام وأهله، وتفقُّدِكُم لِمَا يُصلِحه، ونُصحِكم لإخوانكم، ولكنَّ عذرنا أنَّا تفرَّسنا الخير في هذا الفتى، ورأينا الأمور سترجع إليه فقدَّمناه في حياتنا، لنهذِّبه ونقوِّمه ونعلِّمه كيف يرتق وحيث يرفق، ونبصِّره تصاريف الأمور ومفاصلها، ونوطِّنه على احتمال الأذى والصبر والحِلْم، فصدق تفرُّسهم فيه، وكان حازما عالما، فلم يؤخذ عليه شيء، ولم يُنقم عليه حكم، حتَّى ترك الأمور كِبَرًا وهرما وضعفا، وانعقدت الألسن عليه بالثناء الجميل»(4). وفي هذا عبرة جليلة في اهتمام الكبار بجيل الشباب، وتحميلهم أعظم المسؤوليات، والاستفادة ممَّا لديهم من طاقات، وتوجيهها ورعايتها، بدل الدخول معهم في صراع الأجيال، ممَّا يعود على المجتمع بالوبال.
3) القاضي الحاكم النزيه:
كان الشيخ(5) بن إبراهيم بن أبي يحيى (ت: 722هـ) «حاكما عدلا وقامعا للجورة بَسِلاً» في نفوسة، وكان مرَّة في تمزدا فأتاه رجل من أهل تميجار بمزود قمح فأعطاه الشيخَ، فأخذ المزودَ وأدخله بيته «ثمَّ خرج فقال التميجاري: واعَدْتُ فلانا الجيطالي لتحكم بيننا [عند] صلاة الظهر، فقام ودخل وأخرج له مزوده ورماه له وأغلق الدار، فقال التميجاري: تبت إلى الله، وتركت حقِّي لفلان، وأمسك المزود ولم يجبه بشيء، ورفع مزوده وانصرف»(6). وضيَّفه مرَّة عبد العزيز بن فرحون في إيجناون، فلمَّا أكلوا قال عبد العزيز: واعدت أولاد أبي الخير لنتحاكم عندك صلاة الظهر في مسجد إيجناون، فسأل الشيخ رفيقه: كم ثمن الطعام واللحم؟ قال: درهمان، فجعل على الطبق أربعة دراهم، فخرج ولم يَدْعُ، ومن عادتهم رحمهم الله الدعاء بعد
(1) لم يتضح من هو عبد الحميد هذا، وحسب السياق يبدو أنَّه من أريغ.
(2) المصدر نفسه، ص427.
(3) ينظر: المصدر نفسه، ص508.
(4) سير الشمَّاخي، ص471 - 472. وينظر: سير الوسياني، فقرة رقم: ر2/ 9.
(5) «الشيخ» اسم عَلَم وليس صفة.
(6) سير الشمَّاخي، ص554.