الجانب الاجتماعي في سير الشماخي
الجزء ١ · صفحة ٤٩الطعام»(1).
وتُحكى قصص شبيهة عن أبي محمَّد ملي الدرفي(2) وأبي الشعثاء الزنتوتي(3). وفي مثل هذه الروايات الرائعة أسوة حسنة لمن يلي أمور الناس، حتَّى لا تُشترى ذممهم وآخرتهم بمتاع من الدنيا زائل قليل.
4) صلاح الرعيَّة بصلاح الراعي:
لَمَّا اجتمعت الكلمة بعد اختلافها على الإمام محمَّد بن أفلح بن عبد الوهَّاب لِمَا امتاز به من علم وورع، «كان أوَّل شيء نظر فيه التماس قاض عدل يَصلُح لأنْ يُقلَّد أمور الإسلام، فأشاروا عليه بتقديم الشيخ التقيِّ العالم النقيِّ محمَّد بن عبد الله بن أبي الشيخ، وكان وقَّافا شديدا في دين الله، حازما لقمع المظالم والمناهي، آمرا بالمعروف. ثمَّ عَزَل نفسَه لمنكر بَلَغَه بعد أن أحسن السيرةَ، واظهرَ الحقَّ، وتجرَّدت نفوسةُ الجبلِ لإصلاح الأسواق، وقمع الفسَّاق؛ لأن نفاقهم نجم مدَّة الفتنة، وظهر فسادهم، وعظم ضررهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون منار الحقِّ، فأصلح الله الفساد على أيديهمِّ، حتَّى عاقبوا القصَّاب على نفخ الشاة، ومنعوا الحمَّال على دابته أن يحمل عليها فوق طاقتها، وانقطعت مادَّة الفتنة، وعمرت المساجد»(4).
«قال ابن الصغير: لَمَّا دخل أبو حاتم مدينة تيهرت جمع مشايخ البلد واستشارهم فيمن يولِّيه القضاء، فأشاروا بأن يولِّي عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن الشيخ، وكان أبوه قاضيا، وتقدَّم التعريف به وبعدله وبإتقانه الأمور. قالوا: وما عبد الله دون محمَّد في العلم والورع والدين، قال: أشرتم وأحسنتم، فولاَّه القضاء، وولَّى بيت المال عبد الرحمن بن صواب النفوسي، وولَّى الشرطة زكار لأنَّه ذو نصيحة وهيبة، وإبراهيم بن مسكين لأنَّه ذو صلابة في الحقِّ.
وقد كانت حروب فسدت بها البلد، وفسد أهلها وأظهروا المنكر، وكثر الفسق والزنا وشرب الخمر جهارا، فلمَّا تولَّى الرجلان الشرطة قَطَعَا ذلك في أسرع وقت وأقرب زمان، فكسروا الخوابي في كلِّ دار عَظُم قَدْرها أو صَغُر، وفرَّ المفسدون إلى الجبال، وشرد الأشرون إلى الأطراف والأودية، ونَفَيَا قطَّاع الطرق، ورَدَعَا السرَّاق ردعا شديدا، وحَمَلاَ الناس على العدل والسبيل»(5).
وبالأمر بالمعروف والنهي تستقيم الأوضاع، فهذا الحاكم أبو عمر ميمون بن محمَّد الشديد في الأمر والنهي، «سمع بمجلس الخمر في الفحص، على ستة أميال من شروس - وشروس أمُّ قرى نفوسة وجادو
(1) المصدر نفسه، ص555.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ص284 - 285.
(3) ينظر: المصدر نفسه، ص246.
(4) المصدر نفسه، ص221.
(5) المصدر نفسه، ص262 - 263.