الجانب الاجتماعي في سير الشماخي مصطفى بن محمد شريفي

الجانب الاجتماعي في سير الشماخي

الجزء ١ · صفحة ٥٠

مدينتهم - فكسر آنيتهم وأراق شرابهم»(1). لَمَّا تولَّى أبو الفضل سهل عرف النفوسيُّون العزَّة والقوَّة أمام زناتة والمسودة والعرب، بل كان سعيه في الإصلاح يمتدُّ حتَّى خارج نفوسة، فإنَّه لَمَّا سمع بفساد بمدينة غدامس ذهب لإصلاحه، فنصره الله عليهم(2).

وبالقضاء العدل يسود الأمن، ويرتفع الظلم، وتصلح أحوال الناس، «ومنهم أبو عبد الله بن أبي عمرو بن أبي منصور إلياس التندنميرتي وابنه أبو زكرياء، وكلاهما حَكَمٌ عدلٌ، وفيصلٌ في القضاء فحلٌ. أمَّا أبو عبد الله فَلَمَّ الشعث، وكَشَفَ اللبث، ورَتَقَ الفتوق، ورَقَّعَ الخروق [ … ] وأمَّا أبو زكريا فاستصلح الفاسد، وردَّ الشارد، وقمع المعاند، وجبر الكسير، وأعان الفقير، وسد الثغور، وأبرم الأمور. وفي السير: تولَّى أمور نفوسة ستِّين وقيل سبعين سنة، ولا ينام كلَّ ليلة حتَّى يميِّز نفوسة كلَّها: من يستحقُّ الأدب أو المواساة، ومن له الحقُّ أو عليه، خوفَ التقصير وخشية العيا في الجواب يوم الحساب، إذ كلُّ راع مسؤول عن رعيته. ولم تَرَ معه نفوسةُ نكبة»(3).

سابعا) ظواهر اجتماعية:

1) خروج جماعي إلى الحصاد:

من الظواهر الاجتماعية المذكورة في الكتاب عن النفوسيِّين، وبالتحديد عن أهل تبرست، خلوُّ البلد بسبب خروجهم جميعا إلى مزارعهم، فقد نقل البدرُ الشمَّاخيُّ ما رواه البغطوريُّ من ورع أبي مهاصر مرداس «أنَّه طلع على منزله وهو تبرست، فرأى بنيانا كثيرا قد حدث في البلد فقال: متى حدث هذا البناء؟! وذلك من قلَّة التفاته إذا مشى، وإنَّما نظر ذلك اليوم لأن الناس خرجوا إلى الخصوص(4) وليس في المنزل أحد»(5)، وقد يكون ذلك في مواسم الحرث أو الجذاذ، ونتصوَّر أنهم كانوا يخرجون جميعا، رجالا ونساء وأطفالا، وقد لا يبقى غير العجزة ومن حبسه العذر؛ وهذا يشير إلى التعاون على مصاعب الحياة، وتربية الناشئة على الكدِّ والجدِّ والعمل. كما يوحي بالوضع الآمن المستقرِّ في عهد الإمام عبد الوهَّاب، حتَّى إنَّ البلدة تخلو من أهلها. وفي مواضع أخرى من السير يذكر بأنَّ خروج الناس يكون في فصل الربيع، وسواء في جبل نفوسة أم وادي أريغ(6).

وفي بعض الروايات أنَّ عدد النازحين يعدُّ بالآلاف: «وكان أبو القاسم [يزيد بن مخلد] يخرج أيَّام الربيع إلى أحياء مزاتة، وكانت عدَّتهم وعددهم في قوَّة وكثرة، قيل: اثني عشر ألف فارس، والرَّجْلُ لا يعدُّ كثرة»(7). ومن هؤلاء المرتحلين إلى بادية بني مصعب (بني مزاب) أيَّام الربيع أبو العبَّاس أحمد الويليلي(8) وأبو عمَّار عبد الكافي بن أبي يعقوب التناوتي(9) وأبو عبد الله محمَّد بن بكر.

وذكر مثل ذلك عن موسم الحصاد، حتَّى إنَّ أبا القاسم البغطوري رأى أن لا يؤذِّن للصلاة «خشية أن يهلك الناس» فأبى عليه أبو محمَّد عبد الله بن الخير(10).

2) جلب إماء من السودان وإسلامهنَّ:

ومن الظواهر الاجتماعيَّة جلب الإماء من السودان، ودخولهنَّ الإسلام، وقد أورد المؤلِّف قصَّة الأمَة «غزالة» التي كانت قبل إسلامها مهتمَّة بسماع القراءة، وكان «مشتريها إذا جعلها قبل أن تسلم في سلسلة مع العبيد خشية الإباق(11)، فإذا سمعت القراءة قعدت على نفسها وبركت على ركبتيها واستمعت، وأسلمت، فاشتراها رجل من أهل ويغو فكان دأبها أن تخدم مولاها بالنهار فإذا نام ونام عياله انصرفت فتحضر مجلس الذكر عند أبي محمَّد عبد الله بن الخير في تنورزيرف»(12)، وبين الموضعين مسافة طويلة.

وقد تكون الإماء من السود، وقد يكنَّ من البيض، كما تُصرِّح بعض الروايات(13). وقد يمتلك البعض إماء كثيرات، فهذه أمُّ الخطَّاب «وكانت صالحة، فدخلت الدار وجدت الجواري ينسجن فقالت: إنَّكنَّ معتقات، فقمن من الفرح فلم تزد واحدة منهنَّ خيطا، وهنَّ ثلاثة عشر جارية»(14). ونقل عن الرقيق القيرواني من فظائع إبراهيم بن أحمد الأغلبي أن «قتل غلمانه الصقالبة ثمَّ اشترى العبيد السودان مكانهم، فبلغت عدتهم

(1) المصدر نفسه، ص273.

(2) ينظر: المصدر نفسه، ص275.

(3) المصدر نفسه، ص318.

(4) «الخُصُّ: بَيْتٌ من شجر أَو قَصَبٍ، وقيل: الخُصُّ البيت الذي يُسَقَّفُ عليه بخشبة على هيئة الأَزَجِ، والجمع أَخْصَاصٌ وخِصَاص، وقيل في جمعه: خُصُوص، سمّي بذلك لأَنه يُرَى ما فيه من خَصاصةٍ أَي فُرْجةٍ». ابن منظور: لسان العرب، 7/ 26، مادة: «خصص».

(5) سير الشمَّاخي، ص174. وينظر: سير البغطوري، فقرة رقم: 190 (مرقون).

(6) ينظر: سير الشمَّاخي، ص177، 198، 260، 273، 299، 421، 451، 492، 514.

(7) المصدر نفسه، ص348 - 349.

(8) ينظر: المصدر نفسه، ص426.

(9) ينظر: المصدر نفسه، ص442.

(10) ينظر: المصدر نفسه، ص238.

(11) هذا التصرُّف يبدو غريبا عن تعاليم الإسلام، وإكرامه للإنسان، أحرارًا وعبيدًا. كيف يقيَّد بالسلاسل من لا يستحقُّ ذلك لمجرَّد احتمال الإباق؟.

(12) المصدر نفسه، ص218.

(13) ينظر: المصدر نفسه، ص242.

(14) المصدر نفسه، ص247.

٤٦ / ٦٤