الجانب الاجتماعي في سير الشماخي مصطفى بن محمد شريفي

الجانب الاجتماعي في سير الشماخي

الجزء ١ · صفحة ٥٣

5) هجرات جماعية لأسباب مختلفة:

ذُكرت في كتاب السير عدَّة هجرات جماعيَّة، ولأسباب متعدِّدة، إمَّا قحط، أو ظلم وقهر.

أمَّا بسبب القحط، فمن نماذجه: أبو محمَّد القنطراري لَمَّا «وقعت شدَّة وقحط فخرج أهل منزله إلى إفريقيَّة، فخرج ببناته معهم، فسار ما شاء الله، فنظر إلى ضعفه وضعف بناته وبُعد السفر، فرجع وقال: أتَّكل على الله وأرُدُّ الحاجة إليه، وهو المطعِم في موضعي وغيره -وهو كلام بالبربرية- فما بقي إلاَّ يسيرا حتَّى أغاثه الله بالمطر»، وجاء الخصب ونما الزرع، وحصد من أرضه خيرا كثيرا، وحصد أيضا «لأهل بلده مزارعهم، وخَزَنَهُ لهم فسمعوا بالخصب ورجعوا، فأعطى لكلِّ واحد منهم متاعه، فكان منه بذرهم وطعامهم»(1).

ووقع بطرابلس قحط عظيم وتفرَّق أهلها في سنة ثلاثين وأربعمائة (430هـ) وتسمى فرورا(2).

وأمَّا نزوح السكَّان بسبب الطغيان من بعض الحكَّام، ولجوءًا إلى بعض الكرام، فمن ذلك الشيخ طاهر بن يوسف، كان يسكن في سواحل المهديَّة، وهو من هروغة، وكان في أيَّام المعز بن باديس، ففرض عليهم ضرائب باهظة على محاصيل الزيتون، فأراد الانتقال منها لكثرة الريبة بإفريقيَّة، فقصد جبل نفوسة، فحمل ما معه من الحليِّ والنضِّ، فجاز على بحر جربة، ثمَّ إلى يفرن، وكانوا إذ ذاك غير وهبية، إمَّا خلفيَّة أو حسنية أو مستاوة من فرق الإباضيَّة، فجمعوا له ثلاثمائة مدي شعيرا، فاستراب أموالهم، فنزل من تاغما وطلع إلى تارديت وخلَّصه الله من ريباتهم. «ونزل على الشيخ أبي موسى عيسى بن محرز، فمرَّ به إلى سوق جادو، فبات ليلة الجمعة فلمَّا أصبح وفرغ من المجلس تكلَّم الشيخ عيسى فقال: هذا شيخ من أشياخ أهل الدعوة، خرج من بلده بما عَلِمْتُم وبَلَغَكُم، فاجعلوا له صِلَةً، فأعطى كلُّ واحد ما سهل عليه، فجمعوا ستَّة وخمسين دينارا، فرفعها التارديتيُّ، ونزل به إلى إجناون فجمعوا أربعين قفيزا زيتا، ومرَّ به إلى شروس، وذلك في أيَّام أبي عمرو ميمون بن محمَّد، فجمعوا له أربعين دينارا، فسكن في أشفي، وهو منزل الطرف»(3).

ومن ذلك أيضا فرار بعض الأتقياء بدينهم خوف الفتنة، فـ «لَمَّا تغيرت لواتة الساكنون بطرة ورجعوا حشويَّة خرجت امرأتان أختان مهاجرتان بدينهما إلى تجديت»(4).

وصدق الشافعيُّ في قوله:

سافر تجد عوضًا عمَّن تفارقهُ *** وَانْصبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ

(1) المصدر نفسه، ص256.

(2) ينظر: المصدر نفسه، ص400.

(3) المصدر نفسه، ص342 - 343.

(4) المصدر نفسه، ص522.

٤٨ / ٦٤