الجانب الاجتماعي في سير الشماخي مصطفى بن محمد شريفي

الجانب الاجتماعي في سير الشماخي

الجزء ١ · صفحة ٥٤

والتَّبْرَ كالتُّرْبَ مُلْقَىً في أَمَاكِنِهِ *** والعودُ في أرضه نوعً من الحطب

فإن تغرَّب هذا عزَّ مطلبهُ *** وإنْ تَغَرَّبَ ذَاكَ عَزَّ كالذَّهَبِ(1).

6) هجرة الأدمغة:

ذكر الشمَّاخي نقلا عن الوسياني قصَّة أبي موسى هارون بن أبي عمران موسى بن سدرين، الذي رغَّبه أبو عبد الله محمَّد بن بكر في البقاء بين ظهراني أهل الدعوة ليستفيد الناس من علمه، لاسيما في وادي أريغ ووارجلان، إلاَّ أن أبا موسى فضَّل السفر إلى غانة، وهي بلاد التجارة والرفاه المادِّي، بعد أن لم يجد من أهل وارجلان استجابة لعقد حلقة للتعليم، واعتذر لأبي عبد الله بقول عروة بن الورد:

فَسِرْ في بلاد الله والتمس الغنا *** تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا

إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه *** شكا الفقر ولام الصديق فأكثرا

وصار على الأدنين كَلاًّ وأوشكت *** صِلاتُ ذوي القربى له أن تنكرا

وهكذا فضَّل الجانب المادِّيَّ، فسار إلى بعض بلدان السودان الغربيِّ، إلاَّ أنَّه وجد الناس عراة، فلازم بيته حتَّى مات، ولم يستفد المجتمع من علمه، إلاَّ بكتاب واحد تركه في الألواح عجَّل به قبل السفر، وفيه ما يحتاج إلى مراجعة(2). وفي هذه القصَّة تجسيد لقرار صعب بين خيارين: بين أن يبقى العالم تحت رحمة أهل البلد، وربَّما أحسَّ بالفقر أو بالذلَّة والاتِّكال على الغير، وبين أن يعتمد على نفسه ويغترب ويعيش في عزَّة، فاختار الثاني؛ إلاَّ أن مجتمعه خسر طاقةً هامَّة، ولم يستفد من علمه. وكم في عصرنا هذا من مثل هذه الصور!!.

ومن صور هذا النوع من الهجرة ما فعله الشيخ نوح بن حازم بن حجَّاج المرساوني (ت: 806هـ) فقد حاول أحد المحسنين إليه أن يضغط عليه ليفتي له بغير القول المشهور، ويحكم له على غريمه، فرفض، فعزم الشيخ على الرحيل من فساطو خفية، ففطن البعض بعزمه وحاولوا منعه، فقال لهم: «من أراد سكنى بلدكم لا يغفل ولا يسهى! يعنى أنهم يكثرون المعروف فيسرقون دينه إذا غفل أو سها»(3). ومثل هذه الصور في المجتمع كثيرة في شتَّى الأزمنة والأمكنة، يظنُّ بعض الأغنياء أنهم يستطيعون شراء فتاوى على الهوى من العلماء، وهيهات أن يبلغوا مرادهم مع المخلصين الربَّانيِّين!.

7) أهل وارجلان في القرنين الرابع والخامس:

في القرن الرابع رجع أبو نوح سعيد بن زنغيل إلى وارجلان بعد موت أبي صالح جنون بن يمريان فوجدها تغيَّرت، «فجمع وجوهَ أصحابها فقال: ظهر فيكم نكاح السِّرِّ، فلا يُنكر الزنا على أحد إلاَّ قال تزوَّجت سرًّا، وتطلقون عبيدكم في أموال الناس فيأخذون الجريد والليف والكرانيف فتكادون أن تسرقوا، وأظهرتم الفُرقة فقائل: مسجدنا ومسجدكم، ويهوديُّنا ويهوديُّكم، فلم يجيبوه بشيء»(4).

وفي القرن الخامس في زمن أبي زكريا يحيى بن أبي بكر قال عن وارجلان حين زارها: «ذهب بصري فلم أر أحدا، وأمَّا وارجلان فقد خلت فما بها أحد، وقد قال له أهل وارجلان: أقم عندنا نأنس بك، قال لهم: قولوا أقم يمت قلبك، وذلك لِمَا اطَّلع عليه من رداءة أحوالهم»(5).

ورغم ما في وارجلان من عمارة المساجد والقراءة، إلاَّ أنَّ المعاملات قد تُظهر حقيقة بواطن بعض الناس، فقد زار أبو يعقوب يوسف بن زرار النفوسي «وارجلان فتعجَّب من ظهور صلاحهم وتعميرهم مساجدهم، وشدَّة تحفُّظهم على العبادات، وكثرة القراءة فقال: كيف نجت من الشيطان، فأقام بها وخالط أهلها وعلم أمورهم وقال: هنا استوطن الشيطان، وأطلق في الأرض عمَّاله!»(6). وهذه النظرة التي تبدو متشائمة، ولكن ينبغي أن نضعها في سياقها التاريخيِّ والمكانيِّ، ونأخذ في الحسبان أنَّ وارجلان بوَّابة الصحراء والتجارة إلى بلاد السودان؛ وبالتالي فإنَّ المعاملات فيها تكون أكثر حركيَّة، وأكثر تعقيدا من جبل نفوسة؛ وبالتالي فقد تبدو للنفوسيِّ الذي جاء من بيئة منعزلة بسيطة هادئة أنَّ أهل وارجلان تغيَّروا. والحقيقة أنَّ هذه ضريبة الحضارة، وهو الشعور ذاته الذي ينتاب من ينتقل في عصرنا من بيئة ريفيَّة إلى إحدى العواصم التجاريَّة أو السياسيَّة.

8) التسرُّع إلى الخطَّة والهجران:

الخطَّة أو الهجران نوع من البراءة الاجتماعيَّة، وهما وإن كانتا رادعتين لمن تلبَّس بمعصية محقَّقة، لاسيما إذا جاهر بها وآذى الناس، غير أنَّ الملاحظ هو تسرُّع بعض المشايخ في القرنين الخامس والسادس إلى إعلانها، مع نقص التحرِّي والتثبُّت أحيانا، فقد طبَّقوها في حقِّ أبي يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي، وهو العالم الكبير، والمحقِّق في المسائل، كما قال الشمَّاخي نقلا عن الدرجيني: «كان غاية في علم الفروع والأصول، له تعليقات عجيبة، وأجوبة مقنعة مصيبة»(7)، بدعوى أنَّه يقرأ كتب أهل الخلاف، «ونسبوه إلى تعجيز العزَّابة وذمِّ

(1) ينظر: ديوان الإمام الشافعي.

(2) ينظر: سير الشمَّاخي، ص472 - 473. سير الوسياني، فقرات رقم: ث14/ 2 - ث14/ 5.

(3) سير الشمَّاخي، ص567. والعجيب في القصة أن يقوم بعض أولئك الكبراء من القوم باقتسام ما خلَّفه الشيخ، وهو يريده لطلبة العلم. فمن تورَّع بارك الله في ماله، ومن اقتحم «دمره الله إمَّا استئصالا وإمَّا فقرا». المصدر نفسه.

(4) المصدر نفسه، ص361.

(5) المصدر نفسه، ص427. وينظر: الدرجيني طبقات، 2/ 448 - 449.

(6) سير الشمَّاخي، ص487.

(7) المصدر نفسه، ص445. وينظر: الدرجيني: طبقات، 2/ 495.

٤٩ / ٦٤