الجانب الاجتماعي في سير الشماخي
الجزء ١ · صفحة ٥٥تآليفهم والبحث عن معايبهم»(1). ويدلُّ على تسرُّعهم ورود «حكاية تدلُّ على براءته ممَّا قُذف به»(2)؛ لذلك قال الدرجيني: «إلاَّ أنَّه كان مع محافظته وكثرة حفظه يعجب من ضعف بخته مع الإخوان، وقلَّة حظِّه، فإنَّهم لم يقيلوه في العثرة إنصافا، ولم يهبوه من أنفسهم إسعافا، بل قد أذاقوه من العقوق أصنافا، وجرَّعوه منه مُرًّا زعافا»(3).
ورُئِيَ عبد الله بن عيسى يوسف يقرأ في جزء من كتاب الإشراف على مسائل الخلاف، فاجتمع أشياخ تونين، وبعثوا إليه بالهجران، فسارع إلى التوبة(4).
ومنها أن الشيوخ عام الزيارة (508هـ) «مرُّوا على الشيخ يعلو، وهو شيخ كبير، فعاتبوه عن أشياء ذكرت عنه، فجعل يتوب ويقول: لا أعود، ولم أفعل ما بلغكم، وإنَّما بي ضعف ومرض، ولا شيء ممَّا تكرهون، فقبلوا منه. [ … ] وفيها نقموا على تبغورين بن عيسى فبلغهم بتينوال، فتاب فقبلوا منه. وأوقفوا إسماعيل بن أبي العبَّاس فتاب وقبلوا، ولم يبق شيخ بأريغ إلاَّ عاتبوه، وأخرجوا شيوخ تينوال إلى الخطَّة»(5).
وقد تدوم هذه الخطَّة لسنوات، فهذا سليمان بن عبد الله بن بكر أخرجه الأشياخ إلى الخطَّة، بسبب فتوى أصدرها(6)، وأبقوه على ذلك مدَّة اثني عشر عاما، رغم إلحاحه في التوبة لبعض مشايخ عصره(7).
ومن الشيوخ الذين طالهم هذا الهجران: أبو طاهر إسماعيل بن أبي زكريا، فقد سمع الشيوخُ «أنَّه أكل طعام النُّكَّار، فأرسلوا إليه بالهجران، فلمَّا أتاه الخبر، وكان شيخا كبيرا، قال لابنه أيُّوب: اِرحل لي على الناقة، ومسكنه بوارجلان، ولكنَّه خرج إلى الربيع(8)، فركب وقاد به ابنه أيُّوب حتَّى أناخ على مسجد تاماست، ولم يكلِّم ابنَه إلاَّ أن قال: الطريق يمنة أو يسرة خشية كسر هجرانهم، ووقف على باب المسجد يتوب ويتضرَّع ويسألهم القبول عنه، ولا يزيد على التوبة، وهم يعاتبونه ويلومونه، ويقول: تبت ولا أعود، آجركم الله، فقبلوا عنه ورضوا عنه، ثمَّ قال لهم بعد أن قبلوا: يا مشيختي لم أفعل شيئا ممَّا بلغكم!!»(9)، وعقَّب الشمَّاخي بقوله: «وكفاك فضلا وتقى في شيخ لم يجدوا له عيبا يعاب به إلاَّ أن نسبوا إليه أنَّه أكل طعام مخالف! وهو أعظم
(1) سير الشمَّاخي، ص445.
(2) ينظر: المصدر نفسه، ص446.
(3) الدرجيني: طبقات، 2/ 494 - 495. وينظر: سير الشمَّاخي، ص445.
(4) ينظر: سير الشمَّاخي، ص437.
(5) المصدر نفسه، ص485.
(6) قال الشمَّاخي: إنها متعلِّقة بالثنيا. ولم يوضِّح صيغتها.
(7) ينظر: المصدر نفسه، ص490 - 490.
(8) خروج أهل أريغ وقت الربيع أحيانا إلى بادية بني مصعب، وهي على بعد نحو 300 كلم!.
(9) المصدر نفسه، ص492.