الجانب الاجتماعي في سير الشماخي
الجزء ١ · صفحة ٥٧مباح!»(1)، وفي هذا الكلام تعريض بانتقاد هذا الموقف المتسرِّع من أولئك الشيوخ.
ومن الخطَّة التي نالت قبيلة بأكملها ما ذكره الشمَّاخي نقلا عن الوسياني أنَّ المشايخ (ومنهم أبو العبَّاس بن أبي عبد الله، وعبد السلام بن وزجون، ويحيى بن ويجمن، ويونس بن أبي الحسن) أَخرَجوا إلى الخطة مغراوةَ بأسرها بمن فيهم مشايخها(2)، فقدَّموا الشيخ سَمْدَاسَنْ بن يخلف ليتحدَّث باسمهم، «فأمرهم بإيفاء الكيل، وتقديم أولي العلم والفضل، وترك جميع المناكر، ففعلوا وتابوا وقبلوا عنهم»(3).
وهذه الوقائع وإن دلَّت على أن لا أحد يعلو أمام الحقِّ وقبوله والإذعان إليه، ويتساوى في الردع الكبير والصغير، والرفيع والوضيع، إلاَّ أنَّ الخِطَّة بدل أن تكون وسيلة لإصلاح المجتمع فقد تصبح - أحيانا - وسيلة للشكوك والريبة في حقِّ مشايخ كبار. كما تدلُّ على التواضع الجمِّ لأولئك الأبرياء من التهم الموجَّهة إليهم، وحرصهم على المحافظة على قيمة الخطة والهجران، وأهمِّيَّة الإذعان إلى السلطة الروحية التي يمثِّلها المشايخ. فضلا عمَّا في ذلك من المحافظة على قيمة عالية من قيم المجتمع، وهي النصيحة، كما صرَّح بذلك أبو الحسن علي بن خزر الوسياني النفوسي(4).
9) الحرص على حضور مجالس الذكر من بعيد:
هذه الظاهرة ذكرناها آنفا في خصوص المرأة، والواقع أنَّها عامَّة، فقد كان الشيخ معاذ بن أبي علي «يسكن بقصر بني ويليل من بلاد قفلة أريغ، وكان من حزمه وطلبه رضا ربِّه [أن] لا يبيت ليلة الجمعة إلاَّ في آجلو، يحيي مع التلامذة ليلته، ثمَّ يشهد مجلس يوم الجمعة، فإذا صلَّى العصر انصرف إلى أهله»(5). ويبدو أن هذه المجالس عموما - كما هو في أغلب قرى وادي مزاب إلى اليوم - يكون فيها تلاوة القرآن، وتفريقه على الحاضرين، وختمه، وتوزيع الصدقات (المعروف).
10) تحضُّر العزَّابة ومحافظتهم على البيئة:
صورة بسيطة ولكنَّها رائعة للقيم الحضاريَّة التي يتربَّى عليها العزَّابة (أي التلاميذ)، ذكرها الشمَّاخي في سياق حديثه عن وادي أريغ، فقال: «ودخل عامل لصنهاجة ورأى كثرة العزَّابة وكثرة الحِلَق وضيق الموضع،
(1) المصدر نفسه. وعقَّب على مسألة كلاميَّة أخرى بأنها مسألة خلافية، ومع ذلك كانت سببا في وضع أحد الشيوخ في الخطة. ينظر: ص496.
(2) ذكر الوسياني من الذين شملتهم الخطة والهجران: الشيخ إسماعيل بن أبي زكرياء، ومحمَّد بن الخير، وسمداسن بن يخلف. ينظر: سير الوسياني، فقرة رقم: ر2/ 18.
(3) سير الشمَّاخي، ص503 - 504.
(4) ينظر: المصدر نفسه، ص533.
(5) المصدر نفسه، ص421.