الجانب الاجتماعي في سير الشماخي
الجزء ١ · صفحة ٥٨فاعتقد أنهم يدنِّسون وجه الأرض بالخلاء والسماد، فدار فيها وحواليها فلم يظفر بشيء ممَّا تكرهه عينه وتعابه نفسه، فقال وقد مدَّ يده بسيفه: ما يخاف الناسُ إلاَّ من هذا أو من الله، فهذا يعني السيف ليس هذا موضعه، وما منعهم من ذلك إلاَّ خوف الله. وكانوا يحفرون ويدفنون حاجاتهم ومن أدبهم التبعُّد والحفر والدفن»(1). وإذا كان بعض الدعاة يركِّزون على قيم النظافة والآداب التي يُنشَّأ عليها الطالب في اليابان - مثلا - فلنا في تاريخنا ما نرفع به رؤوسنا عاليا من القيم التربويَّة النابعة من ديننا الحنيف، وتعدُّ المحافظة على البيئة من أبسطها.
11) معاناة المجتمع من بعض الزعماء:
ذكر الشمَّاخيُّ منها «أن قائدا من قواد السلطان مزاتيًّا، وهو من أهل المذهب من مزاتة القيروان، لكنَّه كان جائرا فاسقا توجَّه إلى جربة، وكاتب أبا زكريا [فصيل بن أبي مسور اليهراسني] أن ينضمَّ بأهله وعشيرته إلى المسجد الكبير لئلاَّ يدركهم من ضرره شيء، أو تصيبهم من العسكر معرَّة، ففعل أبو زكريا، فاستباح العامل جربة نهبا وغصبا، حاشا بني يهراسن فإنهم في جانب الشيخ، لم يصبهم ما أصاب أهل جربة ببركته، فلمَّا قضى ابن ويمي إربه وصل إلى أبي زكريا قال له: على م يقدرون؟ قال: يقدرون على دينارين وهم ضعفاء الحال، فأعطاه الدينارين»(2).
- ومنها أنَّ من عادة أهل دمَّر أنَّه إذا قُتل أحد منهم أن يأخذ زعيم القوم ثلث الدية «وزعم أهل دُمَّر أنهم أخذوا هذه السيرة عن الأئمَّة، فأنكر عليهم ذلك أبو صالح [بكر بن صالح] إنكارا تامًّا وغَيَّرَ ذلك عليهم»(3). ولا يخلو مجتمع من مثل هذه الفتاوى التي يروَّج لها على أنَّها قول بعض المشايخ!.
- ومنها أنَّ «أهل تقيوس يعمرون غابتهم وجناتهم على النصف، ثمَّ يدفعون الظلم من النصف، فالنصف للسلطان وما يأخذ من النصف الآخر، فكان الناس معه في ضيق عظيم، فكان كلُّ واحد يحتال كيف يختلس قبل امتداد يد العامل»(4). وذلك في عهد سليمان بن علي بن يخلف، أي حوالي النصف الثاني من القرن السادس الهجري.
- ومنها المجزرة الرهيبة التي ارتكبها المعزُّ بن باديس في درجين، بعد أن حاصرها، واستشهد فيها ألف وخمسمائة شخص، منهم أشياخ أخيار مثل: أبي يعقوب يوسف بن نفَّاث القنطراري، وعبد الله بن أمِّ أبان النفوسيَّين، ومحمَّد بن سدرين(5).
(1) المصدر نفسه، ص488.
(2) المصدر نفسه، ص371.
(3) المصدر نفسه، ص370.
(4) المصدر نفسه، ص459.
(5) ينظر: المصدر نفسه، ص466 - 467.