الجانب الاجتماعي في سير الشماخي مصطفى بن محمد شريفي

الجانب الاجتماعي في سير الشماخي

الجزء ١ · صفحة ٦

وأموال الأمَّة دون حقٍّ، ولن يعطي ذلك صورة صحيحة عن تاريخ أمة من الأمم أبدًا، فان أخبار الجيوش والمعارك وتحرُّكات الأجناد والقواد، وأعمال الحكَّام الظالمين، ثمَّ السيطرة على الناس والتحكُّم فيهم، وتحطيم المدن والمعاقل، وما يتبع ذلك من مظاهر القوَّة والسلطان التي تستعمل في غير أمر الله ليست هي الصورة الصحيحة لتاريخ وحياة أيَّة أمَّة.

وقد أدرك العلامة أبو العبَّاس الشمَّاخي هذه الحقيقة فلم ينجرف مع تيار السياسة إلاَّ بمقدار، وإنَّما قدم لنا الصورة الحقيقة لجانب من الأمة المسلمة، هذه الأمة التي تسكن ما بين ”سرت“ والمغرب الأقصى، وهو يقدم لنا المادة الحقيقة لتاريخ هذه الأمَّة في صورة العالم الذي يلقي دروس الوعظ والإرشاد، وفي صورة الرجل الذي يحمل الفأس ويذهب إلى الحديقة ليقلب الأرض، وفي الشيخ العالم القدوة الذي يسوق بقرته بعد أن ينزل المطر ليقوم بعمليَّة الحرث، وفي الطفل اليتيم الذكيِّ الذي يستوهب جحشا صغيرا ثمَّ يتحايل على صاحبه فيبيعه له، وفي المجالس العلميَّة التي تنعقد في هذا المجتمع أو ذاك، وفي المبالغ التي تجمع لينفق منها على الأقسام الداخلية في المدارس المنتشرة، وفي صورة النصيحة التي تقدمها المرأة المخلصة لزوجها أو لصديقها، وفي سلوكها عندما يتَّخذ عليها الزوج ضرَّة أو يقسو عليها في الحياة، وفي حديث البنت الساذجة عندما تزفُّ إلى أبيها عن زينتها، وفي نقاش البنت المتعلِّمة لأبيها وإدلالها عليه، وفي كفاح المرأة من أجل العلم، وفي صورة الأحاديث والمشاورات والآراء والفتاوى والأعمال، وكلُّ المظاهر التي يعيشها الشعب عيشة حقيقيَّة لمجتمع وأسرة وفرد.

لقد قرأت كثيرا من كتب التاريخ، وقرأت كثيرا من كتب الاجتماع، فلم أجد ما يستهويني، كما أجد ذلك في كتابه ”السير“، هذا الكتاب الذي يجعلني أعيش حياة واقعية تمتد عشرة قرون [ … ] والأمَّة الإسلاميَّة في حاجة كبرى إلى كُتَّاب من هذا الطراز، يصوِّرون الواقع كما هو، وكما تشهد به الحياة، وكما يجري به التاريخ الواقعيُّ في فلك الزمان الطويل بعيدا عن توجيه السياسة المغرضة، والأطماع الزائفة، والمؤثرات الخارجية، مقصودة أو غير مقصودة»(1).

وفي هذا الكلام الصادق عن الجانب الاجتماعيِّ في سير الشمَّاخي، للشيخ علي معمَّر، لمؤرِّخ سبر أغوار كتب التاريخ، ما يغني عن التعليق عليه. وسيتبيَّن لنا صدق هذا الكلام بالتفصيل فيما يأتي.

ثانيا) التركيبة الاجتماعيَّة في التجمُّعات الإباضيَّة بالمغرب الإسلامي:

نجد لدى الشمَّاخي إشارات متعدِّدة إلى تركيبة المجتمع في المغرب الإسلامي، لدى الإباضيَّة بصفة خاصَّة، ومن يرتبط بهم من المتساكنين، مسلمين وغير مسلمين. نذكر منها ما يأتي:

(1) علي يحيى معمر: الإباضيَّة في موكب التاريخ، الحلقة الثانية، الإباضيَّة في ليبيا، ص364 (ترقيم الشاملة).

٦ / ٦٤