الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات أبو القاسم بن إبراهيم البرادي الدمري أبو الفضل

الجواهر المنتقاة

الجزء ١ · صفحة ٢٠١

فأتيت اليوم الثاني، فلما قرأت من الكتاب مثل ورقة أتاه قوم آخرون وقالوا: شهادة يأجرك الله عليها، فقام معهم وقمت معه غير بعيد فقلت: يا سيدي أنا أتيتك وقد كانت لي حانوت في الرهادنة فصرت بطالا لا أنا في مقابلة كتابي ولا أنا في حانوتي، وشغلي فسكت، فلما كان بالغداة أتيته كما كنت آتيه، فلما فتحت الكتاب وقرأت بعض جزئي أتاه قوم وقالوا شهاة ياجرك الله عليها، فقال لهم: اليوم لهذا الفتى فإن آثر على نفسه وأذن لي سرت معكم، فلما رأيت ذلك قلت له: يا سيدي ولاكل هذا فسر إذا شئت أو أقم، وإنما ذكرت هذا لأدل على مروءته وحسن عشرته وكان أهل المغرب كلهم مشغوفون بهذا الرجل حتى أن من كان

منهم بسجلماسة يبعثون إليه بزكاة أموالهم يصرفها حيث شاء. ومما يذكر من ورعه وتقشفه أن أبا سابق خديمه علف ليلة فرسه من بيت المال فاعلمه بذلك فقال: يا أبا سابق والله ما نام محمد ولا أكل ولا

مکانه

شرب ولا برح من. حتى ترد في بيت المال ما أخذته منه، قال أبو سابق فنزعت عن الفرس وأخذت ما بقي وكلته ووفيت ما أكل فرسه من ماله ورددته في بيت المال فجئته فوجدته في مكانه ينتظرني فأعلمته، فقال: الآن أحسنت يا أبا سابق فاجلس.

ولما مات أبو اليقظان فكل ما وُجد في تركته من العين سبعة عشر ديناراً ومات سنة احدى وثمانين سنة ومايتين، وكانت نفوسة الجبل مشغوفة به وقد كانوا إذا ضرب سراديقه وخرج لا ينامون الليل كله إنما شأنهم التكبير والتهليل والقراءة فإذا صلوا معه ضربوا بأنفسهم وناموا.