الأخذ بخبر التلفون والبرق في رؤية الهلال من رمضان وشوال
الجزء ١ · صفحة ٥٨وَأَغْرَبُ مِنْ هَذِهِ أَنَّ القُطْبَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - ذَكَرَ فِي زِيَادَاتِهِ عَلَى مُدَوَّنَةِ أَبِي غَانِمٍ)
- رحمه الله - أَنَّهُ لا يُصَامُ بالنَّاظُور، وَلَاسِيَّمَا النَّاظُورُ الكَبِيرُ (1)، وَلَمْ يَذْكُر العِلَّةَ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهَا في السّلْكِ، وَلَعَلَّهُ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ رَائِدٌ عَلَى الفِطْرَةِ البَصَرِيَّةِ [ … ] التي هي في الأَصل النَّاظُورِ جِسْمٌ كَثِيفٌ حَائِلٌ فِي الحَقِيقَةِ بَيْنَ الرَّائِي وَالمُرَائِي، وَانْطِبَاعُ شَكْلِ المَرْنِي لَا عِبْرَةَ بِهِ
خَبَرِ
في الشرع.
وَفِيمَا عِنْدَنَا أَنَّ الْاعْتِبَارَ بِرُؤْيَةِ النَّاظُورِ أَوْلَى وَأَقْرَبُ مِنَ الْأَخْذِ بِخَبَرِ السِّلْكَ؛ لِأَنَّ هَذَا خَالٍ مِنْ احْتِمَالِ الكَذِبِ وَعَكْسِ الحَقِيقَةِ، بِخِلَافِ خَبَرِ السّلْكِ، فَإِنَّ هَذَيْنِ الاحْتِمَالَيْنِ غَيْرُ مُرْتَفِعَيْنِ عَنْهُ؛ لِأَنَّمَا الاعْتِبَارُ فِي الصِّيَامِ أَوِ الإِفْطَارِ خَبَرُ الأُمَنَاءِ، وَلَوْ وَاحِدًا، عَلَى قَوْلِ أَوْ مَشْهُورٍ أَهْلِ الجُمْلَةِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ غَيْرُ مَوْجَودٍ فِي خَبَرِ التَّلَفُونِ؛ فَتَرْكُ الْأَخْذَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ الصَّرِيحُ
وَالمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَقِيَاسُهُ عَلَى شَهَادَةِ الأَعْمَى وَاللَّيْلِ وَالشَّهَادَةِ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ وَاسْتِمَاعِ امْرَأَةٍ قِيَاسٌ مَعَ الفَارِقِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِهَذِهِ الأَشْيَاءِ المَذْكُورَةِ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهِ مِنَ العُلَمَاءِ عِنْدَ التَّحَقُّقِ مِنْ أَمْرِ الشَّاهِدِ وَالسَّامِعِ وَعَدَمِ احْتِمَالِ المُخَالَفَةِ فِي ذَلِكَ، فَمَنْ وَجَدَ الاحْتِمَالَ ارْتَفَعَ جَوَازُ الأَخْذِ بِهِ وَصَارَ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ جُلُّ العُلَمَاءِ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الشَّهَادَةِ فِي الظُّلْمَةِ، وَلَوْ تَحَقَّقَ عِنْدَ السَّامِعِ أَنَّ ذَلِكَ القَائِلَ هُوَ لَا غَيْرُهُ؛ لِلتَّثْبِتِ فِي أُمُورِ الشَّرْعِ الذِي قَالَ فِيهِ صَاحِبُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِرَجُلٍ: «تَرَى الشَّمْسَ؟»، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: «عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ» (2). رَوَاهُ القُطْبُ فِي (ذَهَبِهِ) (?).
وَشَهَادَةُ الأَعْمَى إِنَّمَا تَصِحُ في الأَشْيَاء التى يَسْتَوِي فِيهَا عِلْمُهُ وَعِلْمُ البَصِير، لا في أمور
المُبْصَرَاتِ عَلَى المَشْهُورِ، وَالأَذَانُ إِنَّمَا يَكُونُ غَالِبًا مِنَ الأُمَنَاءِ الذِينَ لَا يَسْتَحِلُّونَ تَقْدِيمَ
(?) تقدَّمَتِ الإشارة إلى النص المنقول، ص50.
(2) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، تحقيق: مختار أحمد الندوي، مكتبة الرشد، الرياض، ط 1، 1423هـ /2003م، الباب الرابع
والسبعون في الجود والسخاء، ح رقم (10469)، ج 13، ص 349.
(?) القطب، امحمد بن يوسف، الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص، مكتبة الضامري،
ــلطنة عمان، ط ?
1419 هـ / 1998م، ص 252.
55